هالوين التعليم
صفاء عصام الدين
آخر تحديث:
الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
بدأت نوبات الهلع فى البيوت المصرية مع انطلاق العام الدراسى الجديد، تمتزج النوبات بضغوط الدراسة على الطلاب، والضغوط الاقتصادية على أولياء الأمور.
فى شهر سبتمبر من كل عام يعم الهلع فى بيوتنا ما بين ضغوط نفسية على الطلاب الغارقين فى الواجبات المدرسية والتقييمات اليومية، وأولياء الأمور المحاصرين بمصروفات المدارس وأقساطها، ومستلزمات دراسية وكتب خارجية وزى مدرسى.
يخرج فلذات أكبادنا فى طريقهم للمدرسة سواء فى حافلات مهيأة لتوصيلهم ومزودة بسائقين ومشرفات فى المدارس الدولية واللغات المتميزة التى تعبر الدائرى أو طريق السويس وغيره من الطرق السريعة، أو متكدسين فى ميكروباصات أو تروسيكلات أو تكاتك تخترق طرق غير ممهدة فى القرى أو عشوائيات القاهرة، وفى كل رحلة ذهاب وإياب ندعو الله بسلامة الوصول.
مع كل هذا الهلع لا يتوقف وزير التربية والتعليم، محمد عبداللطيف كثيرًا أمام هذه الضغوط التى تؤثر على الطلاب وتحول العام الدراسى إلى كابوس، يكرم الأبلة صالحة والأستاذ نادر بعد هجمة محافظ القليوبية، لكنه لا يتحمل مسئوليته السياسية عن تردى أوضاع المدارس الحكومية وعدم صلاحية بعضها لاستقبال الطلاب.
أغلب الظن أن الوزير القادم من المدارس الدولية قد لا يعرف بصورة كافية واقع مدارس مصر التى تعتمد على التكاتف المجتمعى فى المدارس الحكومية والرسمية بين المديرين والمعلمين وأولياء الأمور أو قادة المجتمع لضمان الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية فى المدرسة، سواء مقاعد أو دورات مياه أو مراوح.
لا نتحدث عن مكتبات أو مسرح أو غرف موسيقى ورسم، لكن مقومات الحياة فى المدرسة.
يدافع الوزير عن المناهج الجديدة، ويروِّج لاستيراد محتوى علمى ورياضى يابانى، لكنه لا يتوقف أمام البيئة التعليمية فى المدارس لتقديم المناهج الحديثة المتطورة، فجودة التعليم لا ترتبط فقط بطبيعة المنهج والمحتوى، لذا تتكبد مئات الآلاف من الأسر تكلفة تعليم الأبناء فى المدارس الدولية أو اللغات المتميزة.
ليس بالضرورة أن يكون التعليم الدولى للأثرياء فقط، فالطبقة المتوسطة التى تعافر من أجل جودة الحياة ما زالت تبحث عن تعليم يحافظ على مستقبل الأبناء، تحاول تجنب النظام الثانوى المصرى الذى يتغير بتغيير الوزير كل عدة سنوات، مرة يفرض عليهم التابلت، ومرة تجرى الامتحانات بنظام «بابل شيت»، ثم يعود لامتحانات الأسئلة المقالية، تبحث قطاعات من الطبقة المتوسطة عن طوق النجاة لأبنائها من تقلب نظم الامتحانات، وفوضى الغش بالسماعات وأزمات التصحيح، بحثًا عن منظومة أكثر عدالة وصرامة.
اللجوء للشهادات الدولية ليس بحثًا عن تميز طبقى، أو نتيجة ملاءة مالية أو فائض ادخار، ولكنها بالنسبة لقطاعات كبيرة من الطبقة المتوسطة رحلة مستمرة من الاقتراض والجمعيات لتقسيط المصروفات الدراسية، وسداد الدروس الخصوصية والمستلزمات الدراسية أيضًا.
• • •
رغم كل هذا الهلع، يخرج الوزير ليبشرنا بإلغاء الأعياد التى تحتفل بها مدارس دولية، ويقول فى اللقاء الذى عقده مع كبار الكتاب ورؤساء تحرير الصحف «هل حد يقبل إن ولادنا يحتفلوا بأعياد ليس لنا علاقة بها خالص.. ألغينا الاحتفالات التى لا علاقة لها بثقافتنا ولا نعرف عنها شيئًا، وجود احتفالات بأمور مختلفة عن ثقافتنا أمر غير مقبول وتحدثنا مع المدارس الدولية بهذا الأمر وهناك التزام شديد، الاحتفالات التى ستكون موجودة هى الاحتفالات التى تحتفل بها الدولة».
لا أعرف عن أى أعياد يتحدث الوزير.. هل يقصد ما يعرف مثلا بـ«الهالوين» أو عيد الهلع؟ أم يمتد موقفه إلى احتفالات أخرى؟ هل يعرف أن هذه بعض هذه الأعياد تدمج ثقافات وتعزز أفكار التنوع والتعدد، كما أنها مناسبات كرنفالية يرتدى فيها الطلاب أزياء تنكرية واحتفالية تخفف من الضغوط اليومية للدراسة.
ربما يغالى وزير التربية والتعليم فى الحديث عن الهوية والثقافة والدين، فقد جاءنا قبل عامين بمشروع قانون يحدد النجاح فى مادة التربية الدينية بنسبة 70%، متجاوزًا الدراسات العلمية التى تبين الفروق الفردية والتفاوت بين الطلاب وقدراتهم على الحفظ واسترجاع المعلومات، يقول فى لقاء سابق مع الإعلامية لميس الحديدى إن التربية الدينية أهم مادة، فيرفع الحد الأدنى للنجاح ليهتم الطلاب بدينهم، هل هذا يعنى أن الطالب الذى يحصل على 90% فى مادة التربية الدينية أكثر إيمانًا من الطالب الذى يحصل على نسبة النجاح أو الذى لم يستطع تجاوزها؟
واستمرارًا لأفكار الهوية والوطنية، يضيف الوزير الذى تخرج من تعليم دولى، وعمل فى المجال ذاته، مادتى اللغة العربية والتاريخ على مجموع طلاب الشهادة البريطانية والأمريكية وغيرها من الشهادات الدولية. ليس صحيحًا أن هؤلاء الطلاب لا يدرسون اللغة العربية أو الدراسات الاجتماعية فهذه المناهج إجبارية منذ الصفوف الأولى، لكنها لم تكن تدخل فى احتساب المجموع النهائى للطلاب، حتى صدر قرار الوزير.
يدافع الوزير عن سياسته معتبرًا أن دراسة اللغة العربية والتاريخ تؤسس للهوية الوطنية، رغم أن الوزير الذى سافر فى سن الثالثة عشرة، للدراسة فى الولايات المتحدة الأمريكية لم يدرس «مواد الهوية»، فهل يمكننا اعتبار أن الوزير الذى لم يدخل فى نطاق دراسته اللغة العربية أو مناهج التربية الدينية أو التاريخ المصرى بلا هوية وطنية؟ بالقطع لا، وبالتالى لا منطق فى فرض هذا الشكل على طلاب التعليم الدولى خاصة مع تعقيد مناهج اللغة العربية وتدريس محتوى أكثر صعوبة على الطلاب، والبعد عن الأسلوب القصصى والنصوص السلسة التى قد تساعد على حب اللغة العربية منذ المراحل المبكرة.
ما تعريف الوزير بالضبط للهوية التى يريدنا أن نحافظ عليها؟ وهل إضافة ضغوط على طلاب الشهادات الدولية يعزز هذه الهوية؟ هل يزيد الانتماء للوطن مع أعباء دراسة التاريخ للطلاب الذين يميلون للمواد العلمية؟ أم تفرض عليهم مادة تعجيزية تؤثر على درجاتهم النهائية وقد تحرم قطاعًا منهم من الوصول للكلية التى يحلم بها خاصة مع تخصيص نسبة 5% فقط لطلاب الشهادات الدولية فى الجامعات الحكومية؟
«الهالوين» الحقيقى ليس فى طفل يرتدى زيًا تنكريًا فى مدرسة دولية، وإنما هو منظومة تجعل الطالب وأسرته يعيشان طوال العام فى حالة من الهلع؛ بين أعباء الدراسة والامتحانات، ومصروفات التعليم والدروس، وقلق الطريق، ثم تأتى قرارات الوزير لتضيف أعباء جديدة على طلاب التعليم الدولى باسم الهوية، رغم أن وزيرنا نفسه تلقى تعليمًا دوليًا واحتفظ بهويته، ربما كان الأولى به أن يعالج مصادر الهلع الحقيقية فى مدارس مصر، قبل أن يبحث عنها فى احتفال بالهالوين.
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى