لا تفجّروا الفقاعة العقارية
مدحت نافع
آخر تحديث:
الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:40 م
بتوقيت القاهرة
عاد الحديث عن «انفجار الفقاعة العقارية» إلى الواجهة مجددًا، بالتزامن مع إرجاء معرض «سيتى سكيب» الذى كان مقررًا انعقاده خلال هذه الأيام، وتحويل دورة هذا العام إلى منتدى يعقد فى نوفمبر المقبل، على أن تعود دورة المعرض فى سبتمبر 2027. وسرعان ما أصبح القرار مادة جديدة للحديث عن تراجع السوق العقارية، بل وعن قرب انفجار الفقاعة التى طالما حذر منها البعض.
ولا أريد أن أكرر ما كتبته فى مناسبات سابقة، لكننى أعتقد أن هناك ضرورة لإعادة ضبط المصطلحات قبل إصدار الأحكام. فأنا لا أنكر وجود فقاعة عقارية فى مصر، بل أقر بوجودها، وأرى أن أسعار بعض الأصول العقارية تجاوزت بالفعل مستويات يمكن تبريرها بسهولة من خلال العائد أو القدرة الشرائية. لكننى أختلف مع كثيرين فى نقطة جوهرية: وجود الفقاعة شىء، وانفجارها شىء آخر تمامًا.
• • •
المشكلة الاقتصادية ليست فى أن ترتفع أسعار أصل ما فوق قيمته المبررة لفترة من الزمن، وإنما فى الطريقة التى تنتهى بها هذه الحالة. فإذا حدث التصحيح تدريجيًا، أمكن للسوق والاقتصاد امتصاصه. أما إذا وقع الانفجار بصورة مفاجئة وانتقلت آثاره إلى الائتمان والبنوك والاستثمار والاستهلاك، فإن فقاعة الأصول قد تتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة.
وهنا أجد تقاطعًا مع رؤية جوزيف ستيجليتز، الذى ركز فى تحليله للأزمات المالية على أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى ارتفاع أسعار الأصول وحده، وإنما فى التداعيات التى يمكن أن تنشأ عندما تنفجر تلك الارتفاعات وتنتقل الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقى. وهذا تحديدًا هو الفارق الذى أراه مهمًا فى الحالة المصرية.
فليس كل سوق عقارية مرتفعة الأسعار نسخة من السوق الأمريكية قبل أزمة 2008. ففى الولايات المتحدة كانت الطفرة العقارية مرتبطة بتوسع ائتمانى هائل، ورافعة مالية مرتفعة، وشبكة معقدة من الرهون العقارية والأوراق المالية المرتبطة بها. وعندما انخفضت أسعار المساكن، وخسر المقترضون وظائفهم، انتقلت العدوى من العقار إلى القطاع المالى ثم إلى الاقتصاد بأكمله.
• • •
أما فى مصر، فالصورة مختلفة، حتى وإن كانت تحمل مخاطر حقيقية. فالقطاع العقارى لا يزال يتلقى «حقنًا» مستمرة من السيولة، ولا يزال العقار أحد أهم مخازن القيمة فى ظل التضخم وتقلبات سعر الصرف. كما أن وراء هذه السوق أصولًا حقيقية: أرض، ومبانٍ، ووحدات سكنية وتجارية وإدارية وفندقية. قد تكون أسعارها مرتفعة، وقد يكون بعضها غير مستغل، لكننا لا نتحدث عن أصول وهمية أو غياب لغطاء مالى. وهذا لا يعنى أن السوق محصّنة من التصحيح. فتراجع القوى الشرائية حقيقى وله تجلياته، وقد يعنى تباطؤ المبيعات، وزيادة مدد السداد، وتراكم وحدات غير مباعة، وظهور ضغوط على بعض المطورين. لكن التصحيح فى الأسعار أو تراجع سرعة دوران الوحدات لا يعنى بالضرورة «انفجار الفقاعة». بل أرى أن الخطر الأكبر فى المرحلة الحالية قد يكون الهلع من الفقاعة أكثر من الفقاعة نفسها.
فالأسواق لا تتحرك بالأرقام وحدها، وإنما بالتوقعات أيضًا. وعندما يتحول الحديث المستمر عن «انهيار وشيك» إلى قناعة جماعية، يبدأ المشترون فى الانتظار، ويؤجل المستثمرون قراراتهم، وقد يتعجل البعض البيع، ويتراجع المطورون عن الاستثمار. عندها يمكن أن يتحول الخوف من الأزمة إلى أحد أسباب حدوثها، فيما يشبه النبوءة التى تحقق ذاتها.
• • •
وهنا يجب أن نفرق بين التحذير الاقتصادى المسئول وبين إثارة الفزع. التحذير مطلوب لرصد الاختلالات والاستعداد لها، أما الهلع فقد يصنع صدمة لا ضرورة لها. ولذلك فإننى لا أرى أن هدف السياسة الاقتصادية يجب أن يكون تفجير الفقاعة العقارية حتى تنخفض الأسعار، وإنما تفريغها تدريجيًا وبأقل تكلفة ممكنة.
الطريق الأول للتفريغ الآمن يكمن فى تحريك الثروة العقارية. فلدينا مخزون ضخم من الأصول التى يمكن أن تكون أكثر إنتاجية مما هى عليه الآن. يمكن استغلالها سكنيًا، وتأجيرها، وتحويل بعضها إلى استخدامات سياحية أو إدارية أو تجارية، وإدخال الأصول الساحلية فى منظومة السياحة، بدلًا من أن تظل مجرد مخزن للقيمة ينتظر ارتفاع السعر.
والطريق الثانى هو الصناديق العقارية. وهذه ليست رفاهية مالية، وإنما ضرورة لتطوير السوق. فبدلًا من أن تكون ملكية العقار مغلقة فى وحدة كاملة، يمكن تجميع العقارات المدرة للدخل داخل صناديق تتيح للمستثمر امتلاك حصة فى محفظة عقارية والحصول على عائد منها. وهكذا يصبح العقار أصلًا استثماريًا قابلًا للتداول، لا مجرد أصل ينتظر صاحبه ارتفاع سعره.
والطريق الثالث هو التوريق، إذا جرى استخدامه بصورة منضبطة وتحت رقابة قوية. فبعض الأصول والتدفقات النقدية المستقبلية الناتجة عنها يمكن تحويلها إلى أدوات مالية تسمح بتحرير جزء من رأس المال المحبوس فى العقار وإعادة تدويره فى الاقتصاد. المقصود هنا ليس خلق مديونية جديدة بلا غطاء، وإنما تحويل جزء من «الثروة الساكنة» إلى سيولة منتجة.
أما الضريبة العقارية فيمكن أن تؤدى دورًا يتجاوز مجرد تحصيل الإيرادات. فإذا صممت بصورة رشيدة، يمكن أن تساعد على ترشيد الحيازة وتحفيز المالك على استغلال العقار بدلًا من تركه مغلقًا سنوات طويلة. فالأصل المستخدم والمدر للدخل يجب أن تكون له، اقتصاديًا، معاملة مختلفة فى الحوافز عن الأصل المجمّد.
• • •
تقدم تجارب دولية عديدة نماذج مهمة فى هذا الاتجاه، خصوصًا من خلال صناديق الاستثمار العقارى التى أتاحت تحويل العقارات المدرة للدخل إلى أدوات استثمارية أكثر سيولة، كما أظهرت تجربة الولايات المتحدة فى المقابل أن الخطر يصبح أكبر عندما تقترن الفقاعة العقارية برافعة مالية واسعة وتشابك قوى مع القطاع المصرفى.
وهنا تحديدًا تختلف رؤيتى عن بعض التحذيرات التى أطلقتها ومازلت أطلقها بشأن فقاعة التمويل الاستهلاكى. ففى التمويل الاستهلاكى توجد آلية انفجار أكثر وضوحًا عندما تتراكم المديونية لدى أفراد ذوى قدرة سداد محدودة، فيصبح تراجع الدخل أو ارتفاع الفائدة كافيًا لبدء موجة تعثر تنتقل آثارها إلى المقرضين والاقتصاد. أما فى العقار، فلدينا أصل حقيقى يمكن استخدامه وتأجيره وتشغيله وإعادة توظيفه، ما لم تكن هناك رافعة مالية مفرطة تربطه بصورة خطرة بالجهاز المصرفي.
لقد كتبت عن فكرة التفريغ الآمن للفقاعة العقارية من قبل، وما زلت أرى أنها الطريق الأكثر عقلانية. لسنا بحاجة إلى إنكار الفقاعة، ولا إلى انتظار انفجارها، وإنما إلى إدارة انتقال السوق من مرحلة ارتفاع الأسعار إلى مرحلة يصبح فيها العائد والاستخدام والإنتاجية هى الأساس. فالاقتصاد لا يحتاج دائمًا إلى انهيار حتى يصحح نفسه. أحيانًا يكون أفضل تصحيح هو أن تستقر الأسعار بينما تنمو الدخول، وأن تتحول العقارات من مخزن للثروة إلى أصول منتجة، وأن تتحرك ملكيتها عبر الصناديق والتوريق، وأن تدفع الحوافز الضريبية أصحاب الأصول إلى تشغيلها.
لذلك أعتقد أن علينا أن نحذر من الفقاعة، لكن علينا فى الوقت نفسه أن نحذر من هَلَع الفقاعة. فبينما يمكن للسياسات الرشيدة أن تفرغ الفقاعة تدريجيًا، فإن إثارة الخوف منها قد تجعلنا نخلق الصدمة التى كنا نحاول تجنبها. المطلوب ليس تفجير الفقاعة العقارية، وإنما تفريغها بأمان.
كاتب ومحلل اقتصادى