الصين.. من نسخ المنتج إلى استنساخ الذكاء الاصطناعى
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
لطالما ارتبط اسم الصين فى الاقتصاد العالمى بقدرتها على تقليد المنتجات وتطويرها بكلفة أقل. لكن المعركة الجديدة بين بكين وواشنطن تنقل هذه الصورة إلى مستوى أكثر حساسية: هل انتقلت الصين من نسخ المنتجات إلى نسخ الذكاء الاصطناعى نفسه؟
اتهمت الولايات المتحدة فى 8 سبتمبر، ست شركات صينية، بينها «ديب سيك» (DeepSeek)، و«على بابا» (Alibaba)، و«مونشوت إيه آى» (Moonshot AI)، بتنفيذ عمليات واسعة النطاق لاستخراج قدرات نماذج الذكاء الاصطناعى الأمريكية وإعادة استخدامها فى تطوير نماذج صينية. وقالت وكالات أمريكية، بينها مكتب التحقيقات الفيدرالى (FBI)، ووكالة الأمن القومى (NSA)، ووكالة الأمن السيبرانى وأمن البنية التحتية (CISA)، إن العمليات استهدفت نماذج متقدمة من شركات مثل أنثروبيك (Anthropic)، و«أوبن إيه آى» (OpenAI)، و«جوجل» (Google)، و«إكس إيه آى» (xAI)، ويستند هذا الاتهام إلى تحذير أمنى مشترك أصدرته CISA وNSA وFBI، أفاد بأن الشركات الصينية الست استخرجت مليارات الرموز (tokens) عبر ملايين الطلبات والتفاعلات مع نماذج أمريكية متقدمة، فى عمليات وصفتها الوكالات بأنها تجرى على نطاق صناعى، و«على الأرجح مع علم الحكومة الصينية».
كيف يُستنسخ الذكاء الاصطناعى؟
المفتاح فى هذه القضية هو تقنية «التقطير» (Distillation) وهى ليست اختراعًا صينيًا ولا تقنية غير مشروعة بحد ذاتها، بل طريقة مستخدمة فى صناعة الذكاء الاصطناعى لتدريب نموذج أصغر من خلال الاستفادة من إجابات نموذج أكبر وأكثر تطورًا.
المشكلة، وفق الاتهام الأمريكى، تبدأ عندما تُستخدم هذه الطريقة بصورة واسعة على نماذج مغلقة ومملوكة لشركات أخرى، عبر إرسال أعداد هائلة من الأسئلة إلى النموذج المستهدف، ثم استخدام إجاباته وطرائق استدلاله لتدريب نموذج منافس. وتقول واشنطن إن هذه العمليات تسمح للشركات الصينية بتقليص زمن وكلفة تطوير نماذج متقدمة بصورة كبيرة.
151 مليون تفاعل مع «كلود»
قدمت شركة أنثروبيك، المطوّرة لنموذج «كلود»، أرقامًا تكشف حجم المعركة. وقالت فى تقرير صدر هذا الأسبوع إنها رصدت نحو 200 مليون تبادل مرتبط بحملات تقطير نُسبت إلى خمس عمليات مختلفة.
الأكبر، بحسب الشركة، ارتبط بـ«على بابا»، التى يُقال إنها نفذت أكثر من 151 مليون تفاعل مع «كلود» بين مايو ويوليو 2026، من خلال نحو 3500 حساب. ونسبت أنثروبيك إلى «مونشوت إيه آى» أكثر من 23 مليون تفاعل، وإلى «ديب سيك» نحو 12 مليون تفاعل. وتقول الشركة إن الهدف كان استخراج قدرات فى مجالات مثل البرمجة، وتحليل البيانات، واستخدام الأدوات والاستدلال المنطقى، ثم توظيفها فى نماذج منافسة.
فالأمر لم يعد نسخ واجهة تطبيق أو تقليد فكرة، بل محاولة استخراج «خبرة» نموذج ذكاء اصطناعى متقدم وتحويلها إلى مادة تدريب لنموذج آخر.
الصين رفضت الاتهامات واعتبرتها بلا أساس
بكين رفضت الاتهامات الأمريكية، واعتبرت أن التقطير تقنية محايدة وشائعة فى تطوير الذكاء الاصطناعى، متهمة واشنطن باستخدام القضيّة ذريعة للحد من المنافسة الصينية. وقالت وزارة التجارة الصينية إن الولايات المتحدة تطبّق معايير مزدوجة، وإن شركات أمريكية استخدمت بدورها تقنيات التقطير للاستفادة من نماذج صينية.
وفى المقابل، لا يمكن تجاهل أن الصين بنت خلال السنوات الأخيرة قاعدة ضخمة لاستخدام الذكاء الاصطناعى. فقد بلغ عدد مستخدمى الذكاء الاصطناعى التوليدى فى البلاد 602 مليون مستخدم بنهاية 2025 وفق ما ذكرته شبكة معلومات الإنترنت الصينية (CNNIC)، فيما وصلت نسبة انتشار استخدامه إلى 42.8%، بزيادة 25.2 نقطة مئوية خلال عام واحد.
خلاصة القول
المسألة لم تعد «صُنع فى الصين» بل منافسة متقدمة «الصين تنسخ وأمريكا تبتكر». فالشركات الصينية باتت تطوّر نماذج تنافس عالميًا، لكن واشنطن تخشى أن يؤدى الوصول غير المصرح به إلى نماذجها المتقدمة إلى اختصار سنوات من البحث والتطوير.
من هنا، فإن معركة الذكاء الاصطناعى المقبلة لن تكون فقط على الرقائق ومراكز البيانات والاستثمارات، بل على البيانات والنماذج والملكية الفكرية.
مهى كنج
جريدة النهار العربى