أشجار ..
شريف عامر
آخر تحديث:
الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:35 م
بتوقيت القاهرة
لى مع الأشجار حكايات كثيرة فى كل شارع مررت به.
من الخليفة المأمون، مرورا بأشجار حى الزمالك الكثيفة، حتى شارع الرياض بحى المهندسين حيث نشأت.
حدد القدر مساحة للشجر والنبات فى أى مكان سكنته.
منذ أن وعيت، أنظر للعالم من نافذة فى دور أرضى يفصلها عن الشارع أربعة أمتار، هى عرض حديقة عمارة منزل الأسرة.
وعندما رزقنى الله منزلى الخاص، حرصت أن يكون فى مرمى نظرى أشجار صغيرة لا يتم تشكيلها، وإنما تنطلق حرة فيما عدا بعض التقليم الموسمى.
• • •
فى عصر يخلو من الخدمات الإلكترونية التى يتم استخدامها اليوم، وقفت شابا تحت شجرة ظليلة فى جزيرة خضراء أمام المعامل المركزية للقوات المسلحة خلال مراحل الكشف الطبى الخاص بالخدمة العسكرية فى الخليفة المأمون. كانت شجرة كريمة تخفف حرارة الأجواء على المستظلين بها، وتستمع إلى أحلامى القادمة بين مرحلتين.
لم أكن غريبا عن الشجر. صاحبته طفلا، وشابا.
عندما رأيتها أول مرة. كانت تقف عملاقة وظلها الممتد خارج الحديقة يغطى أكثر من نصف الشارع. تسقط ثمارها الصغيرة فى محيط واسع، يجذب الأطفال من خارج أهل العمارة، لكنهم لا يملكون النفاذ لها.
كان التقاط الثمار من الغصون مباشرة ميزة أنفرد أنا بها لالتصاق غرفتى بسور صغير يقودنى لسطح بقالة صغيرة هى جزء مستأجر من حديقة العمارة. كانت الشجرة جارتى طوال العام، ومغامرتى السنوية عندما يحين موعد نضج ثمارها اللذيذة.
كان اسمها شجرة البامبوزيا. لم أعرف لها مثيلا أبدا. ثمرة تشبه الزيتون خارجيا، لكنها سكرية الطعم مع بعض الحمضية، ويميل لونها إلى اللون البنفسجى الغامق الذى يكفى أن ترى أمى آثاره، حتى تمسك بى متلبسا، فتعيد التنبيه بترتيب أولويات الأمومة. أولها، خطر السير على السور، ثم التساؤل إن كنت غسلت ما جمعت أم لا، والختام بالشكوى من أن بقعة هذه البامبوزيا من أعند أنواع البقع وأصعبها.
على بعد أمتار، وقفت شجرة أخرى أقل ارتفاعاً وكثافة، ولا يوجد إقبال من المارة على ثمارها، فهى تحتاج لكثير من الوقت والتدخل حتى تخرج منها ما كانت تصر جدتى على إقناعى بتناوله وهو مربى تحمل اسمها: مربى اللارنج.
• • •
لم يكن ما سبق مشهدا متفردا حيث نشأت.
كان حى المهندسين الذى تأسس نهاية الستينيات قائما على المبانى قليلة الأدوار، وتحيط بالكثير منها حديقة صغيرة، فاكتسبت شوارع الحى لونا جميلا بين الظل والشمس. فى كل شارع حديقة أو حديقتين صغيرتين توفر متنفسا آمنا لطفولة الصغار.
حتى عند الخروج إلى الشوارع الرئيسية، لا يغادرك اللون الاخضر.
سواء كنت من سكان الدقى، أو المهندسين، أو العجوزة، هناك مساحة خضراء فى مكان ما. جزيرة بين الاتجاهين، أو ميادين كبيرة رأيناها تنشأ، تنمو فيها حدائق خضراء، وترتفع فيها أشجار ظليلة. رأيت العشب ينمو فى ميدان مصطفى محمود، ورأيت الشجر يكبر فى شارع جامعة الدول العربية، فيتحول إلى منتزه عام يضم كل فئات البشر فى الأعياد والإجازات، ويمتزج معهم صيفا عائلات خليجية كاملة اختارت الاستمتاع بنسمات المكان طوال أشهر الصيف.
• • •
فى منتصف التسعينيات غادرت الحى الذى نشأت فيه، لكنى لم أنقطع عنه. فى كل زيارة لمنزل الأسرة، أفتقد مساحة خضراء تتقلص، وزحاما أكثر يزيد!
تآكلت المربعات الخضراء، وزادت عشوائية الحركة. غادر السكان الأصليون إما بحكم العمر والقدر، وإما رغبة فى الهرب من تحول الشقق السكنية إلى مكاتب فى الأدوار العليا، أو معارض ومحال من كل شكل ونوع فى الأدوار السفلى .
حتى حديقة بيتى القديم، استسلم الباقى من السكان تحت وطأة العمر لعدم رعايتها.
ماتت الأشجار واقفة، فتم تحطيبها كما يقولون.
بقى من شجرة البامبوزيا العملاقة، غصن رئيسى جاف بارتفاع سنتيمترات عن الأرض، كشاهد قبر لحياة سابقة كانت فى المكان، وتم ردم التربة المحيطة، وزراعة بعض نباتات الزينة فى أحواض متناثرة.
• • •
بعد عودته من الخارج، قال لى حسام، صديق الطفولة الذى كان يقطع الطريق مشيا فى ظلال الأشجار عبر جامعة الدول العربية من حى العجوزة، حتى بيتى أو حيث مركز تجمعنا فى ميدان لبنان؛ «شفت اللى حصل فى جامعة الدول؟ خلاص.. من بيتى لبيتكم القديم مساحة خضراء يتيمة فى ميدان أسوان. ازاى كده!؟».
توقع صديقى أن أجارى احتجاجه وانفعاله، ثم أجيبه بخبايا الأمور التى لن يعرفها إلا منى. قررت الإنكار: «مش عارف. بقى لى كثير ما روحتش هناك».
أطلق غضب حسام صديقى صور شجرة البامبوزيا، وحكاوى والدى القديمة عن أشجار ومساحات مر بها فى ميادين وشوارع شبابه فى القاهرة والإسكندرية، وكيف انقرضت المساحات الخضراء.
تذكرت جلوسه المعتاد أمام شجرة طويلة عملاقة فى حديقته الخاصة فى قرية مارينا. قال فى صيفه الأخير وبدون أى مناسبة: «الشجرة دى ماحدش يقطعها أبدا».
• • •
على كثرة الأسئلة، وقلة الإجابات، وطالما لست مضطرا، لم أعد راغبا فى خوض نقاشات تسبب الإحباط.
أعرف فقط أن كل من اقتلع شجرة، لم يسمع أبدا الصعيدى العظيم الراحل عبدالرحمن الأبنودى يقول:
«أحلى ما يعمل إنسان يا ابنى .. يزرع ضل، ويشوفه مرمى على وشوش الناس».