أوروبا (4-1).. تأملات فى أوضاع اقتصادية مضطربة

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 10:49 م بتوقيت القاهرة

لا يكاد يجادل أحد فى أن القارة العجوز أوروبا تعانى بشكل متزايد، ومنذ سنوات ليست بالقليلة، من أوضاع اقتصادية تزداد اضطرابًا وصعوبةً بمرور الوقت، بل يتنبأ لها البعض بأنها قد تشهد مزيدًا من التراجع والتدهور على مدى السنوات، بل ربما الشهور، القليلة القادمة.

 وليست هذه الأوضاع الصعبة وليدة الأمس القريب، ولم تنشأ بسبب التداعيات الاقتصادية العالمية التى تخطت كل التوقعات للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى بدأت فى 28 فبراير 2026م ولم تأتِ إلى نهايتها بعد، وإن كانت ساءت بسببها. كما أنها بالتأكيد لم تنشأ بسبب التداعيات الاقتصادية الإقليمية الخطيرة للحرب الروسية الأوكرانية المستمرة حتى الآن والتى بدأت فى 24 فبراير من عام 2022م، بالرغم من أنها تدهورت بسببها. كما أن هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة هى أيضًا، وبالدرجة ذاتها، ليست وليدة التداعيات الاقتصادية الكارثية العالمية لجائحة كوفيد ــ 19، التى بدأت فى شهر ديسمبر من عام 2019م واستمرت بدرجة أو بأخرى من الحدة حتى إعلان منظمة الصحة العالمية انتهاء طابعها الوبائى فى 5 مايو من عام 2023م، بالرغم من معاناة الاقتصاديات الأوروبية بقوة من تداعيات تلك الجائحة وعملية الإغلاق واسعة النطاق التى صاحبتها فى غالبية دول العالم، خاصة الدول الأوروبية.
وإذا عدنا قبل ذلك قليلًا إلى الوراء، فإنه من المتفق عليه أن الاقتصاديات الأوروبية كانت من أكثر اقتصاديات العالم تأثرًا بالسلب من جراء تداعيات الأزمة المالية العالمية التى واجهت النظام الرأسمالى العالمى بدءًا من 15 سبتمبر من عام 2008م، وذلك من جراء درجة اندماجها المتقدمة فى ذلك النظام، وذلك مع الإقرار بأن المتاعب الاقتصادية الأوروبية لهذه الدول لم تبدأ مع هذه الأزمة.
كذلك فإن معاناة الاقتصاديات الأوروبية لم تبدأ مع انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقى بزعامة الاتحاد السوفيتى السابق والغربى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية فى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، ومع اضطرار البلدان الأوروبية الأكثر تقدمًا فى أوروبا الغربية ووسط أوروبا تحمل عبء اقتصادى ضخم وممتد لسنوات كثيرة تالية دفعته مقابل استيعاب الدول الأوروبية المنتظمة سابقًا فى الكتلة السوفيتية أو فى الاتحاد السوفيتى السابق أو فى جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية الفيدرالية ودعم اقتصاداتها ورفع مستويات المعيشة بها ومحاولة إدماجها فى منظومة اقتصادية أوروبية متجانسة، خاصة أن مثل هذا المسعى تزامن مع خطوات متسارعة قامت بها بلدان أوروبا الغربية والوسطى لتعزيز تكاملها النقدى والاقتصادى ودرجة التنسيق السياسى والتشريعى والقانونى والأمنى فيما بين دولها فى أعقاب التوقيع على معاهدة ماستريخت التى تم توقيعها فى هولندا فى 7 فبراير من عام 1992م والتى تحولت الجماعة الأوروبية بموجبها إلى الاتحاد الأوروبى.
كما أن دول أوروبا الغربية لم تنبع مصاعبها الاقتصادية الحالية فقط من جراء نمط إعادة بناء اقتصادياتها فى أعقاب الدمار الكبير والخراب شبه الكامل الذى عانت منه خلال وبعد ومن جراء الحرب العالمية الثانية، واعتمادها الكامل ثم شبه الكامل على حبل سرى للحياة قائم على ما هو قادم من دعم كامل من مساعدات واستثمارات وتكنولوجيا ومعارف تقنية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية عبر الأطلنطى، خاصة فى سياق «خطة مارشال» الشهيرة، التى امتدت تطبيقاتها تحت مسميات مختلفة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وعدد من دول جنوب شرق آسيا خلال نفس الفترة أو فى فترات تالية لها مباشرة.
وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن المشكلات والمصاعب الاقتصادية لدول أوروبا لا يمكن نسبتها فقط إلى الكساد الأعظم الذى بدأ فى وول ستريت فى مدينة نيويورك الأمريكية فى عام 1929م وضربت آثاره بقوة دول أوروبا الغربية وأدى إلى أزمة اقتصادية ضخمة كان لها دورها فى التمهيد لعوامل أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية فى عام 1939م فى أعقاب صعود نجم النازية فى ألمانيا والفاشية فى إيطاليا لأسباب ترجع معظمها فى الأساس والأصل إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع معدلات البطالة وتصاعد نسبة التضخم وتراجع معدلات الأداء الاقتصادى وحالات الكساد الواسعة.
ولا يمكن أن ننسب متاعب أوروبا الاقتصادية بشكل مطلق أو مقصور على ما كشفته الحرب العالمية الأولى ونتائجها وما تبعها من تطورات من بداية انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية فى أوروبا من خلال تخليها، رغمًا عن إرادتها، بشكل متزايد وتدريجى ومتواصل عن مستعمراتها، خاصة فى آسيا وإفريقيا، وانكشاف أن اقتصاديات تلك الإمبراطوريات كانت فى واقع الأمر تعانى من اختلالات بنيوية فى هياكلها الإنتاجية والتصديرية، وتمت التغطية على ذلك من خلال عقود أو قرون من النهب الاستعمارى لموارد دول العالم الثالث بثرواتها من المعادن النفيسة ومصادر الطاقة وبالمواد الأولية الطبيعية والزراعية والمائية الموجودة فيها وتحويل هذه الدول إلى أسواق استهلاكية لمنتجاتها.
ويقودنا التحليل الموضوعى المتعمق والرؤية العلمية الشاملة والمنظور التاريخى المتكامل لأحوال وإحداثيات وتطورات وتحولات الدول الأوروبية عبر القرون القليلة الماضية إلى أن أوضاعها الاقتصادية المضطربة فى الوقت الراهن هى فى واقع الأمر نتاج منطقى ومتوقع ومفترض لتراكم كل الأزمات والاختلالات والظواهر والمشكلات والتحديات التى ذكرناها فيما سبق بدون استثناء وما أفرزته من معطيات وتداعيات على مدى العقود الماضية، ولم يكد يتم أو يقترب التعافى من إحداها حتى لحقت بها الأخرى.
وفى ضوء كل ذلك، يمكننا جزئيًا فهم ما تمر به أوروبا حاليًا وما تواجهه دولها من أوضاع اقتصادية مضطربة تنذر بالكثير من العواقب المقبلة فى المستقبل القريب والبعيد، ولكن الاعتبارات المذكورة فيما سبق ليست كافية وحدها لتحقيق هذا الفهم أو لشموله، لأن هناك عوامل واعتبارات أخرى تتصف بالآنية يتعين أن تضاف إلى ما تقدم لاكتمال الصورة واستكمال الفهم. ويمكننا ذكر بعض هذه العوامل والاعتبارات الأخرى فيما يلى:
أولًا: هناك العجز لدى غالبية دول القارة المحسوبة على الدول الصناعية المتقدمة اقتصاديًا عن الموازنة النموذجية والرشيدة اقتصاديًا بين احتياجاتها لسوق العمل الداخلى من الهجرة المؤقتة والدائمة الخارجية، سواء من جانب دول أخرى من داخل القارة أو من دول من خارج القارة، وتحديدًا من دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية والأفريقية والإسلامية، وبين قدراتها على استيعاب هذه الهجرات وتوفير احتياجاتها فى مجتمعاتها الجديدة وتقديم الخدمات لها ومساواتها بمواطنيها فى مستوى المعيشة وفى المعاملة القانونية وظروف العمل، وصولًا إلى تسهيل القدرة على إدماج هؤلاء المهاجرين وأسرهم فى مجتمعات الدولة المستقبلة لها.
ثانيًا: هناك أيضًا الحاجة لتدبير موارد وتوفيرها وتعبئتها بغرض دفع تكلفة ارتفاع سعر مصادر الطاقة واحتياجهم للمزيد من الوقت والمزيد من الموارد للتحول فى نهاية المطاف بصورة كاملة ونهائية وشاملة إلى الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والنظيفة بيئيًا والسليمة من جهة الأمن والأمان، وما يرتبط بذلك من ثمن دفعته وتدفعه أوروبا نظير فرضها عقوبات على روسيا بشكل متزايد منذ بدء الأزمة ثم الحرب الروسية الأوكرانية.
ثالثًا: إن هناك حاجة لزيادة الموارد المخصصة للإنفاق العسكرى فى ميزانيات دول أوروبا، سواء كان ذلك لأسباب داخلية فى هذه الدول ترتبط بالمرجعية الأيديولوجية أو التوجهات والبرامج السياسية أو القواعد الشعبية والجماهيرية لقوى سياسية وأحزاب داخل هذه الدول، أو تخوفًا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية السلبية واحتمالات توسعها مستقبلًا وتأثيراتها السلبية على الأمن الأوروبى خاصة فى ظل دعم أوروبا لأوكرانيا وفرضها عقوبات على روسيا، أو بسبب تعرض أوروبا لضغوط متزايدة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فى ظل الإدارة الجمهورية الحالية للرئيس «دونالد ترامب»، لزيادة إنفاقها العسكرى وتحمل مسئولية الدفاع عن نفسها وتخفيف العبء من على كاهل واشنطن لتوفير الحماية العسكرية لها فى إطار حلف شمال الأطلنطى، وهو بالمناسبة مطلب يتطابق أحيانًا مع مطالب وتطلعات قوى سياسية داخلية فى هذه الدول الأوروبية.
رابعًا: هناك أيضًا تراكم التطورات التى جرت كنتيجة طبيعية للخلل الديموغرافى داخل سكان الدول الأوروبية ومواطنيها المستقرين على مدى أجيال متعاقبة بسبب تراجع معدلات المواليد لأسباب بعضها يرجع إلى تغيرات مفاهيمية لدى المواطنين وبعضها الآخر يرجع لاعتبارات اقتصادية واجتماعية، وذلك مقابل تزايد أعداد كبار السن بسبب التحسن والطفرة الكبيرة فى نجاح الرعاية الصحية. وقد ولدت هذه التطورات ضغوطًا ضخمة على الاقتصاديات الأوروبية لدفع المعاشات والتأمينات الاجتماعية لكبار السن لسنوات طويلة بعد بلوغهم سن التقاعد. ويحدث ذلك بالرغم من سعى الحكومات الأوروبية، خاصة المنتمية لليمين، على مدى السنين، لاحتواء وتحجيم تلك التكاليف من خلال العمل على رفع سن التقاعد للرجال وللنساء على حد سواء.
خامسًا: يضاف إلى ما تقدم أن دول أوروبا تتحمل فى ميزانياتها دعمًا متواصلًا، ومنذ سنوات طويلة، وفى بعض الأحوال متزايدًا، للعديد من القطاعات الإنتاجية التى تمثل ركائز اقتصاداتها الوطنية، خاصة القطاع الزراعى، ولكن بما امتد أيضًا على مدى السنين والعقود إلى بعض قطاعات الصناعة والتجارة، ولكن الجديد فى السنوات الماضية هو الدعم من جانب تلك الحكومات لبعض القطاعات الخدمية، بما فى ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الخدمات المصرفية والبنوك، وذلك بهدف الحفاظ على قدر من الميزات والقدرات التنافسية للقطاعات الاقتصادية التابعة للبلدان الأوروبية، سواء على مستوى الأسواق الوطنية للدول أو الأسواق الإقليمية الأوروبية أو حتى الأسواق العالمية، وذلك فى مواجهة منافسات، ليست فقط من اقتصاديات متقدمة أخرى، بل أيضًا فى مواجهة منافسات من اقتصاديات بازغة على الصعيد العالمى من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
وفى الختام، نذكر أن مظاهر الأوضاع الاقتصادية المضطربة فى أوروبا الآن متنوعة ومتعددة ومؤثرة، وبعضها قد يبقى على المدى القصير والمتوسط والطويل، وتشمل نطاقًا واسعًا من رءوس الموضوعات التى تتراوح ما بين اختناقات واختلالات وعدم توازن أسواق العمل، وحدوث موجات متواصلة لمعدلات تضخم مستمرة ومتصاعدة وغير مسبوقة منذ فترات طويلة على هذا النحو، وتراجع معدلات نمو الاستثمارات داخل القارة وتراجع معدلات تدفق الاستثمارات الأجنبية من الخارج إلى داخل القارة، وأزمات حادة متكررة تطال سلاسل الإمداد الحيوية والضرورية لدفع عجلة الإنتاج والتصدير الأوروبية، سواء تلك التى تتم داخل حدود القارة أو خارجها، وعدم النجاح حتى الآن فى أن تحل عملة «اليورو» مكان الدولار الأمريكى باعتبارها العملة الأكثر تداولًا فى التعاملات الاقتصادية والتجارية على الصعيد العالمى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved