دلالات محاولات «حزب الله» لتهريب كميات هائلة من المتفجرات إلى لبنان

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 10:50 م بتوقيت القاهرة

إن المحاولات الأخيرة لتهريب ما يقارب طنًا من المتفجرات من نوعَى C4 وTNT، عبر الحدود السورية اللبنانية، تشير إلى أن حزب الله يعمل على إعادة بناء قدراته العسكرية والاستعداد لمواجهة جديدة مع إسرائيل.
وتشير محاولة التهريب التى أُعلن حدوثها، والتى تضمنت نحو 800 كلج من متفجرات C4 وTNT، إلى التحول نحو الحصول على مواد متفجرة متعددة الاستخدامات، يمكن استعمالها فى تصنيع الأسلحة محليًا، وبصورة موزعة، وكذلك فى الاستعدادات الدفاعية.
وعلى الرغم من إمكانات استخدام هذه المواد أيضًا فى صراعات داخلية فى لبنان، فإن الاستعداد لاستئناف الأعمال العدائية مع إسرائيل يبرز كأحد التفسيرات الاستراتيجية الرئيسية، كما أن تشديد إجراءات ضبط الحدود من جانب لبنان وسوريا يزيد فى صعوبة جهود حزب الله فى إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية والحفاظ على جاهزيته العملياتية.

عمليات تهريب الأسلحة والمتفجرات على الحدود السورية اللبنانية
أفادت قوات الأمن على جانبَى الحدود اللبنانية السورية خلال الشهرين الماضيَين، من أغسطس إلى سبتمبر 2026، وكذلك فى مطلع أكتوبر، بتنفيذ عدد من العمليات المحددة التى استهدفت تهريب الأسلحة عبر الحدود.
فى مطلع أغسطس 2026- طرطوس وغرب سوريا: اعترضت قوات الأمن السورية محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة والذخائر من طرطوس فى اتجاه الحدود اللبنانية، وأحبطتها. وشملت المواد المضبوطة بنادق آلية وقذائف RPG ومخازن أسلحة، وأنواعًا عديدة من الذخيرة.
بالقرب من ضواحى عرسال: أعلن الجيش اللبنانى ضبط مخزون من صواريخ جراد، عيار122 ملم، جرى تهريبها عبر المنطقة الجبلية المحيطة بعرسال، وصادرَ الجيش المركبة المستخدمة فى نقلها وأوقف شخصين مرتبطَين بشبكة التهريب.
7 أكتوبر 2026 - منطقة عرسال الحدودية: أعلنت القوات المسلحة اللبنانية إحباط عملية تهريب أُخرى منفصلة عبر الحدود فى منطقة عرسال، فى ظل إجراءات أمنية استثنائية ومشددة لإغلاق الحدود ومراقبتها؛ وفى الوقت عينه، أحبط حاجز للجيش اللبنانى، على الطريق التى تربط دمشق ببيروت عند منطقة ضهر البيدر، محاولة قام بها عنصران من حزب الله لإدخال ما يقارب طنًا من المتفجرات العسكرية من نوعَى C4 وTNT إلى لبنان.
وبعيدًا عن هذه البيانات الرسمية، تشير جهات إقليمية تراقب الوضع الأمنى إلى وقوع اشتباكات محلية متكررة وعمليات ضبط تكتيكية أصغر حجمًا على امتداد المناطق الجبلية الوعرة والمفتوحة على التهريب فى سلسلة جبال لبنان الشرقية، غير أن السلطات الرسمية نادرًا ما تنشر بيانات علنية شاملة بشأن هذه الحوادث.
لماذا ظهرت الحاجة المفاجئة إلى المتفجرات؟ هل يعانى حزب الله نقصًا فى المتفجرات؟ وهل تهدف هذه المواد إلى تنفيذ عمليات محتملة ضد مسئولين كبار فى الدولة؟ وهل يشير ذلك إلى استعداد الحزب لمواجهة داخلية فى لبنان، أو إلى التحضير لاستئناف المواجهة مع إسرائيل؟
تشير عمليات إحباط التهريب على الحدود إلى تحوُّل تكتيكى مهم فى نمط العمليات الذى يتّبعه حزب الله، وفى طرق إمداده؛ فنقل مواد متفجرة خام، مثلC4 وTNT، عبر الحدود السورية، إلى لبنان، بالتزامن مع تحرُّك القوات المسلحة اللبنانية لإحباط هذه العمليات، يعكس مجموعة من العوامل الاستراتيجية الأساسية التى تؤثر حاليًا فى حسابات الحزب الداخلية والإقليمية.
لقد استهدفت الحملات الجوية الإسرائيلية الواسعة البنية التحتية تحت الأرض التابعة لحزب الله فى سهل البقاع والجنوب اللبنانى وضاحية بيروت الجنوبية، وهو ما أدى إلى تدمير مخزونات كبيرة من الذخائر المخزّنة مسبقًا، وأجبر الحزب على محاولة تعويضها بسرعة، عبر طرق تهريب تمتد على طول الحدود السورية التى يسهل اختراقها.
وعلى مدى العامَين الماضيَين، تسببت الضربات الإسرائيلية المتواصلة ضد مستودعات الأسلحة وطرق التهريب باضطرابات شديدة فى منظومات الإمداد التقليدية والثقيلة لحزب الله، ولا سيما تلك المخصصة لنقل الذخائر العسكرية النظامية والصواريخ المصنّعة فى المصانع.
إن المتفجرات الشديدة الانفجار، مثلC4 وTNT، فى المصطلحات العسكرية، تُستخدم كمواد خام متعددة الاستخدامات، وبدلًا من محاولة نقل منظومات أسلحة مكتملة وكبيرة الحجم يسهل اكتشافها، فإن إدخال المتفجرات المركّزة يتيح تصنيع أنواع عديدة من الذخائر، محليًا، وفى ورش صغيرة موزعة على مواقع متعددة، وربما تُستخدم هذه المواد فى تصنيع العبوات الناسفة والألغام الجانبية والذخائر المضادة للدروع، ومادة C4 خفيفة الوزن وقابلة للتشكيل، وذات قدرة تدميرية عالية، ويمكن أن تكون ملائمة لسيناريوهات قتالية لا يُتاح فيها استخدام المدفعية الثقيلة أو الوحدات المدرعة أو لا يكون استخدامها عمليًا.
ولا يعنى إدخال المتفجرات البلاستيكية العسكرية وTNT، بالضرورة، أن حزب الله استنفد مخزونه بالكامل، بل ربما يدل على أن منظومة توزيع الإمدادات لديه مضطرة إلى التكيف مع الظروف الجديدة.
إن مادة C4 مرِنة الاستخدام، إذ يمكن توظيفها فى تصنيع أسلحة محلية لمواجهة القوات الخارجية، أو فى إعداد عبوات ناسفة، أو فى الاحتفاظ بقدرات سرّية لأغراض تتعلق بالسيطرة الداخلية على الساحة اللبنانية، فى حال تصاعد الضغط السياسى والعسكرى داخل البلد.
ومع ذلك، فإن محاولة تهريب800 كلج من المتفجرات تشير إلى أن حزب الله يُجرى استعدادات عسكرية، وأن هذه الكمية تتجاوز كثيرًا ما يلزم لعمليات اغتيال محددة أو هجمات دقيقة، وهى تمثل قدرة عملياتية كبيرة.

ما الدلالات العسكرية والاستراتيجية لهذه الكميات؟
إن نقل كميات كبيرة من المتفجرات يعكس الاستعداد لاحتمالات قتالية عديدة، منها:

1. الاستعداد لمواجهة القوات المدرعة
فالمتفجرات البلاستيكية الشديدة الانفجار يمكن استخدامها فى تجهيز وسائل لمواجهة الدبابات والمركبات المدرعة، وفى إقامة عوائق دفاعية وتحصينات تحت الأرض، ودفنُ هذه المتفجرات فى باطن الأرض ربما يشكل تهديدًا للمركبات المدرعة، حتى فى ظل وجود أنظمة دفاع ناشطة، مثل منظومة «معطف الريح» التى طورتها شركة رافائيل الإسرائيلية، إذ إن هذه الأنظمة مصممة أساسًا للتعامل مع تهديدات معينة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات، وليست مخصصة لإيقاف المتفجرات المزروعة تحت المركبات.

2. الاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة داخلية فى لبنان
إذا كان حزب الله يتوقع تحرُّكًا واسعًا من ميليشيات مُنافِسة، أو القوات المسلحة اللبنانية، أو حدوث توغُّل برّى خارجى، فيمكن أن تُستخدم الكميات الكبيرة من المتفجرات فى إقامة عوائق دفاعية وتحويل بعض المواقع إلى مناطق محصّنة، وهذه المتفجرات ربما تُستخدم عمومًا فى تدمير البنية التحتية التكتيكية، مثل الجسور وطرق الوصول والممرات الجبلية الضيقة بهدف تعطيل الحركة وعزل مناطق العمليات.

3. تعويض النقص فى الأسلحة المصنّعة
ازدادت عمليات اعتراض الصواريخ الموجهة الدقيقة والأسلحة المصنّعة المخصصة لحزب الله قبل وصولها إلى لبنان، وهو ما يجعل المتفجرات الخام عنصرًا مهمًا فى جهود التصنيع المحلى، وهذه المواد يمكن أن تدخل فى إنتاج أنواع عديدة من الذخائر والأسلحة محليًا، بما يتيح للحزب تعويض بعض خسائره والتكيف مع القيود المفروضة على طرق الإمداد.
ويمكن القول إن نقل شحنات تقترب من طن واحد لا يعكس مجرد محاولة للحفاظ على مجموعات سرّية صغيرة، بل ربما يشير إلى مسعى أوسع لإعادة بناء القدرة القتالية للنظام العسكرى لحزب الله وتكوين مخزونات كبيرة من الذخائر، على الرغم من تشديد الرقابة على الحدود.
وسواء أكانت هذه المواد مخصّصة لتعزيز الدفاعات فى مواقع القتال التقليدية أم للتحصّن، استعدادًا لمواجهة داخلية، فإن حجم الشحنة يوحى بالاستعداد لصراع طويل الأمد وعالى الكثافة، وليس لمجرد تنفيذ عمليات سرّية محدودة.

هل يجرى التحضير لاستئناف المواجهة العسكرية مع إسرائيل؟
يبدو كأن ذلك هو الاحتمال الأبرز؛ فربما يمثل استئناف مواجهة عسكرية طويلة الأمد مع إسرائيل الدافع الاستراتيجى الرئيسى إلى نقل كميات كبيرة من المتفجرات، وعلى الرغم من أن الاعتبارات الداخلية اللبنانية وتوازنات القوى داخل البلد يمكن أن تشكل دوافع ثانوية، فإن طبيعة المتفجرات البلاستيكية العسكرية، لا سيما C4 وTNT، بكميات كبيرة، تتوافق مع متطلبات الاستعداد لخوض مواجهة واسعة النطاق ضد الجيش الإسرائيلى.

 

جاك نيريا
مركز القدس للشئون العامة والسياسة
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved