كوريا الجنوبية ليست وطنا للشباب


دوريات أجنبية

آخر تحديث: الإثنين 15 نوفمبر 2021 - 9:12 م بتوقيت القاهرة

نشرت مجلة فورين بوليسى مقالا للكاتبة كاترين بارك، تحدثت فيه عن الواقع المؤلم الذى يعيشه شباب وشابات كوريا الجنوبية بسبب سياسات الحكومة الحالية، ذاكرة فى ختام مقالها أهم القرارات التى يجب على الحكومة اتخاذها لمساعدة هذا الجيل على مقاومة روح اليأس التى اجتاحته... نعرض منه ما يلى.
يعد مسلسل «لعبة الحبار» Squid Game، الذى تم عرضه على منصة نتفليكس وأحدث ضجة عالمية مدوية، من نوع دراما البقاء على قيد الحياة شديدة العنف ومثيرة لليأس فى كوريا الجنوبية. فى مسلسل «لعبة الحبار» يشترك الأفراد المثقلون بالديون فى ألعاب الأطفال التى قد تكلفهم حياتهم للحصول على فرصة للفوز بأكثر من 38 مليون دولار.
إنه عمل فنى يحمل وجهة نظر بائسة تمامًا عن المجتمع الكورى الجنوبى. لكن مزجه بين صغر السن واليأس كان له صدى فى البلاد، حيث كان الانتحار السبب الأول لوفاة الشباب منذ عام 2007.
على مدى العقدين الماضيين، كان فى كوريا الجنوبية أعلى معدل انتحار بين الدول المتقدمة: 24.6 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص فى عام 2019، مقارنة بـ 14.5 حالة انتحار فى الولايات المتحدة فى عام 2017. وعلى الرغم من أن كبار السن فى كوريا الجنوبية لا يزالون هم الأكثر احتمالًا للإقدام على الانتحار بسبب الفقر والعزلة، إلا أن الشباب والشابات يموتون عن طريق الانتحار بشكل متزايد. بين عامى 2018 و2019، ارتفع معدل انتحار من تقل أعمارهم عن 40 عاما بنسبة 10 بالمائة.
فى قلب هذا اليأس توجد المشاكل الاقتصادية التى تفاقمت بسبب الوباء. فلطالما شعر من هم فى العشرينيات والثلاثينيات من العمر أنهم مقيدون بالفجوة بين الأغنياء والفقراء. إنهم يشبّهون بلدهم بمملكة جهنم التى لا يمكن للمرء أن يهرب منها إلا من خلال الموت أو الهجرة. الشهادة الجامعية تُستخدم لضمان الحصول على وظيفة ــ ربما لا تكون الوظيفة جيدة الأجر أو الوظيفة الفاخرة ولكنها وظيفة فى النهاية. لكن هذا لم يعد الحال الآن.
حتى قبل الوباء، كان معدل البطالة بين الشباب يمثل الجزء الغالب من معدل البطالة الوطنى الكلى. وفى خضم الوباء فى نوفمبر 2020، تخلى ما يقرب من 40 فى المائة من خريجى وخريجات الجامعات الجدد عن بحثهم عن وظائف جديدة.
كما أدت أزمة الإسكان فى العاصمة، حيث يعيش ما يقرب من نصف سكان كوريا الجنوبية، إلى تفاقم الأمور. فلقد تضاعف متوسط سعر الشقة فى سيول فى السنوات الخمس الماضية فى ظل سياسات الحكومة الحالية المضللة بشأن قواعد الرهن العقارى والعقوبات الضريبية. قبل أربع سنوات، كان الأمر سيستغرق 11 عامًا من متوسط دخل الأسرة السنوى فى كوريا الجنوبية لشراء شقة فى سيول. الآن، تكلف أكثر من 18 عامًا من الدخل. كذلك ارتفعت الإيجارات، تاركةً الشباب بمدخرات محدودة وبدون مأوى.
أيضا، تضاعف عدد الأشخاص فى العشرينيات من العمر الذين يعانون من الاكتئاب خلال السنوات الخمس الماضية. ومع ذلك، فإن البحث عن العلاج أمر صعب فى ثقافة تعتبر الاكتئاب علامة على الضعف. وعلى الرغم من أن ما يقرب من 30 فى المائة من سكان كوريا الجنوبية يعانون من أمراض عقلية مثل الاكتئاب وتعاطى الكحول، إلا أن 15.3 فى المائة فقط يطلبون العلاج.
ثم هناك ضغط مستمر ومنافسة لا نهاية لها مثل السباق التعليمى الوحشى الذى يبدأ فى رياض الأطفال. فواحد من كل ثلاثة طلاب بالمدارس الإعدادية والثانوية فى سيول يفكر فى الانتحار بسبب الأعباء الأكاديمية والمخاوف بشأن مستقبلهم ومهنهم. لذلك، لا عجب أن كوريا الجنوبية تحتل المرتبة الأولى تقريبًا فى وجود الأطفال الأكثر تعاسة فى العالم.
•••
عندما انتهت الحرب الكورية فى عام 1953، كان الفقر منتشرًا. ولكن لأن الجميع كانوا فقراء، كان هناك قدر أقل من عدم المساواة. الأهم من ذلك، كان هناك أمل فى المستقبل، على سبيل المثال كان عمال المناجم والممرضات الذين ذهبوا إلى ألمانيا الغربية فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى للعمل فى مناجم الفحم والمستشفيات يعرفون أن أطفالهم سيكون لديهم حياة أفضل فى الوطن.
النمو الاقتصادى السريع، للأسف، لم يترجم إلى ازدهار عام. أزمة الإسكان لم تؤثر على الشباب الأثرياء فهم يدفعون ثمن المنازل نقدًا أو يتركون الشقق فارغة بدلا من تأجيرها بسعر منخفض.
فى عام 2017، انتخب عدد قياسى من الناخبين والناخبات الشباب (مون جاى إن) لمنصب الرئيس وذلك عندما وعد بإنشاء مجتمع عادل ومنصف حيث يمكن لأى شخص امتلاك منزل وتربية أسرة.
لكن هذا لم يحدث. استمر الفساد بين النخبة. استفاد من فى الحكومة من أزمة الإسكان من خلال ارتفاع الإيجارات والمضاربة على الأراضى. ووجهت لوزير العدل اتهامات بالرشوة والاحتيال. تضمن أحد الاتهامات قبول ابنته بشكل غير قانونى فى الجامعة.
دفعت كل هذه الآفاق القاتمة والعجز الاجتماعى الشباب إلى الحزب المحافظ المعارض، مما حقق لهم انتصارات ساحقة فى انتخابات رئاسة البلدية فى أبريل الماضى. رئيس البلدية أحس بثورة شبابية ضد الرئيس مون، فاختار حزب المعارضة سريعًا رجل أعمال سابقًا يبلغ من العمر 36 عامًا كزعيم له، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره قبل بضع سنوات نظرًا لشبابه وقلة خبرته.
قال إريك إلبوجين، أستاذ الطب النفسى والعلوم السلوكية فى جامعة ديوك: «لقد أصبح الانتحار أزمة عالمية. ويمكن أن تؤدى الضائقة المالية، مثل الديون والبطالة وانخفاض الدخل، إلى زيادة مخاطر الانتحار بشكل كبير»، كما اكتشف إلبوجين فى بحث له وجود ارتباط وثيق بين الإجهاد المالى المتراكم وزيادة مخاطر الانتحار لدى البالغات والبالغين الأمريكيين منوّها: «الإجهاد المالى الناجم عن الوباء أمر بالغ الأهمية للنظر فيه ويشكل خطرًا لزيادة معدلات الانتحار، مما يضيف إلى العواقب الصحية الهائلة للوباء. ويمكن أن يساعد فهم هذا الرابط فى تعزيز جهود منع الانتحار».
•••
إن اتخاذ قرارات ذات مغزى للشباب ستساعدهم على مواجهة الشعور باليأس الذى اجتاحهم. وفى الوقت الحالى يعنى هذا تعزيز شبكات الأمان الاجتماعى والتوظيف ليس فقط للوظائف بدوام جزئى ولكن للوظائف بدوام كامل وبأجر معيشى مجزٍ لمنح الشباب فرصة. هذا من شأنه أن يمنحهم الثقة لوضع خطط مستقبلية.
يجب أن تستثمر كوريا الجنوبية أيضًا فى تحسين الصحة العقلية للشباب. يجب إزالة وصمة العار المحيطة بالمرض العقلى. يمكن إعادة تنظيم دينامو الثقافة الشعبية فى كوريا الجنوبية للأفلام والموسيقى لزيادة الوعى وتشجيع العلاج، ستستخدم الدولة أصولها الثقافية لتمكين شبابها بدلا من التضحية بشبابهم. يمكن التعلم من فنلندا. خفضت الدولة الاسكندنافية عدد حالات الانتحار بمقدار النصف منذ عام 1990 باستخدام أول حملة وطنية لمنع الانتحار فى العالم. وأشركت فى حملتها جميع الوكالات الحكومية لتحسين العلاج والدعم؛ كما حملت وسائل الإعلام المسئولية عند نقلها عن هذا الموضوع.
إن إنشاء نظام وطنى للصحة النفسية وخدمات على مستوى المدن بالإضافة إلى تدريب المزيد من المتخصصين والمتخصصات فى الصحة النفسية سيكون خطوة واضحة إلى الأمام. فى الوقت الحاضر، تشكل الصحة النفسية حوالى 3 فى المائة من إجمالى ميزانية الصحة فى البلاد.
بالنسبة للجيل الأكبر سنًا، فإن محاولة فهمهم شعور الشباب سيأخذ شوطًا طويلا. فعندما خفض قانون جديد الحد الأقصى لعدد ساعات العمل الأسبوعية من 68 إلى 52 ساعة فى 2018 لتحسين التوازن بين العمل والحياة، أعرب كبار السن عن أسفهم. لقد كان عرقهم ودموعهم هى التى رفعت البلاد من رماد الحرب الكورية. الآن، الشباب الذين لم يعرفوا الجوع من قبل، حسب تفكيرهم، يدمرون الاقتصاد وسط تصاعد الديون والمنافسة العالمية. وبدلا من إبقاء رءوسهم منخفضة وقيامهم ببذل الكثير من الجهد وتحمل المشاق والصعاب، فإنهم يشكون من الاكتئاب.
ربما لا يكون ما يشعر به الشباب علامة على افتقارهم إلى قوة الإرادة أو القوة. بل لقد تغير الزمن وتغير الناس معه. شباب كوريا الجنوبية ليسوا وحدهم من يعانون إنما التناقض بين مجتمع غنى وناجح ثقافيًا ويأس الباقى مؤلم بشكل كبير.
أخيرا، يجب أن يمتد الدعم فى كوريا الجنوبية إلى المشاهير أيضا. على سبيل المثال لا الحصر، فى أواخر عام 2019، قتلت نجمة الكى بوب الشابة سولى نفسها، كما فعلت المغنية جوو هارا والممثل تشا إن ها. وفى عام 2020، قتلت الممثلة وعارضة الأزياء أوه إن هى نفسها. فى وقت سابق من هذا العام أيضا، انتحرت الممثلة سونج يو جونج.
ربما أدت سلسلة من حالات الانتحار بين الرموز الأمريكية إلى جولة من البحث عن الذات. لكن ذلك لم يمتد إلى كوريا الجنوبية بعد.
إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد
النص الأصلى:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved