فى «تسليع» الفن والثقافة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 15 يناير 2017 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

يشتكى البعض من تشويه الثقافة أو سرقتها أو تسليعها بمعنى أن تصبح الثقافة سلعة أو مادة للتسويق وذلك عبر الجوائز من قبل دول عربية محددة لا تزال قادرة على أن تمنح الجوائز وتفتح المراكز البحثية والقنوات الإعلامية ودور النشر والطباعة.

نعم هناك دول عربية منغمسة حتى آخر قطرة فى الاقتتال والتناحر وأخرى لا تزال قادرة على أن تتعايش مع ذلك ربما ليس لوقت طويل خاصة مع اقتراب النيران أكثر وأكثر لهذه الدول التى لم تستيقظ بعد من سباتها واستراخائها المزمن لتعرف أن العالم أصغر من أن تتصور أنك قادر على احتوائه وشرائه بالمال. ورغم كل ذلك إلا أن المرء لابد أن يعترف بأن الإنسان، أى المثقف أو الأديب، القاص أو الروائى أو الشاعر أو حتى الصحفى العربى هم من ساهموا فى تشويه الثقافة وتحويلها إلى سلعة منذ سنين عدة وهذه ظاهرة ليست جديدة هى فقط تأخذ فى كل مرحلة منحى جديدا أو تضيف فئة أخرى إلى الفئات التى انضمت لقائمة العرب اللاهثين خلف الجوائز والعمل بمؤسسات تحمل الأجندات السياسية للدول ورءوس الأموال التى تملكها.

***

وفى ذلك لا بد أن يكون المرء منصفا حيث إن انتشار هذه الظاهرة بين المبدعين وأشباه المبدعين فى البدء لم تساهم بشكل أو آخر فى انحدار المستوى إنما فيما بعد عندما لم يتمالك حتى الأكثر إبداعا والتزاما بالأدب الحق والفن الحق والموسيقى الجميلة التى لا تباع ولا تشترى من قبل شركات الإنتاج المعروفة بمساهمتها فى انحطاط الذوق العام، لم يتمالك كل هؤلاء القدرة على الابتعاد عن كل هذه الجوائز والمؤسسات التى عليها العديد من علامات الاستفهام حتما.
ولا يوجد من هذا ما يشير إلى انغماس المطلع أو الناقد لممارسيها فى نظريات المؤمرة أو غيرها هى فقط ملاحظة لطالما كتب عنها العديد من الملتزمين وعاتب أبناء «الكار» زملاء لهم إلا أن كل ذلك لم يؤدِ حتما لقيام شخص واحد من هؤلاء المبدعين برفض الانضمام إلى مجموعة جوقة الجوائز والمبدعين الراكبين للموجة العامة والانحدار بمستوى الوعى الثقافى لمجتمعات هى فى أمس الحاجة إلى الإبداع والثقافة المتميزة البعيدة عن الإسفاف أو التملق لأمير أو شيخ أو حاكم.

***

كان أول من بدأ كل ذلك أولئك الحكام الذين وقفوا على قبور ضحايهم ضاحكين على مدى الجهل والتخلف فى المجتمعات وما لبثوا وإن لم يكتفوا بالحكم فقط بل أرادوا أن يسيطروا على الثقافة والفن والإبداع وأن يتحولوا إلى راعين لكل هذه الفئة المميزة من مجتمعاتنا. كل تلك الظواهر قد بدأت هناك ثم ما لبثت أن انتشرت لتستفيد منها دول تملك فائضا من المال لتبذخ به وتكرم به المبدعين إلى جانب «الطبالين» والدجالين وبياعى الهوا!

هنا انحدر مستوى الثقافة حتما عندما يكون القائمون على كل تلك الجوائز والمهرجانات والاستعراضات وأسابيع الثقافة وغيرها من التسميات الرنانة، هم أنفسهم من يجدوا المبررات للدفاع عن انعدام الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان الأساسية والاعتراف بأن سكان تلك الدول هم مواطنون وليسوا رعايا لديهم طموح وتطلعات تشبه كل شعوب العالم وعليهم واجبات حتما.

عندما يجد نفس الشخص المدافع عن السجون المكتظة وقلة احترام المرأة أو الوصاية عليها كما الوصاية على الشباب والتعامل وكأن البلاد مزرعة كبيرة، هنا تكمن المشكلة فى كل تلك الجوائز والمهرجانات لأن نفس هؤلاء الأشخاص لن يستطيعوا أبدا سوى استيعاب

أن كل شىء بما فى ذلك الإبداع قابلين للشراء بالأموال وعندما تتوفر الأموال فلا مفر لأحد من أن يكون جزء من هذه التكوينة.

الغريبة وهذا التشويه المتعمد للفن والثقافة والبحث العلمى المستقل.

***

لا يستطيع المرء أن يغفل أن كل ذلك قد بدأ أولا منذ أن سقط الكثير من الصحفيين والإعلاميين العرب فى مأزق العمل ضمن منظومة كاملة لتشويه الصورة العامة وتغيير الأولويات فى كل المجتمعات العربية وليس فى بلد بعينه بل عندما أصبحت كل هذه الأدوات عابرة للحدود وقادرة على كسر الحواجز والتغلغل فى قلب المجتمعات لتغيير الكثير من المفاهيم والقناعات وليصبح التغيير القادم والانبهار بمثل هذه الاحتفاليات من مهرجانات وجوائز جزء من الحداثة التى تخلف صور مخالفة للواقع المظلم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved