تحولات المعادن الحرجة من تسعير الكمية إلى الاعتمادية فى 2026
قضايا اقتصادية
آخر تحديث:
الأحد 15 فبراير 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
يُذكرنا الروائى الأمريكى ويليام جيبسون بأن «المستقبل قائم بالفعل؛ لكنه غير مُوزَّع بالتساوى». وفى أسواق المعادن الحرجة، يبدو هذا القول أقرب إلى قانون عمل غير مكتوب، فالتقنيات التى تُعيد تشكيل الاقتصاد العالمى ــ من المركبات الكهربائية إلى شبكات الكهرباء الذكية ومراكز البيانات ــ تتطور بسرعة؛ لكن موادها الأساسية مركّزة جغرافياً وحسّاسة للحلقات الوسطى فى سلاسل الإمداد، بحيث لا تُقاس قيمتها بوجودها فى باطن الأرض فقط؛ بل بقدرتها على الوصول إلى المصانع فى صورة قابلة للاستخدام؛ لذا لا تتنافس الدول على الابتكار وحده، بل على تموضعها داخل سلسلة القيمة؛ أى امتلاك الخام، والقدرة على تكريره، ثم تحويله إلى مواد وسيطة تدخل المصانع والرقائق والبطاريات.
وفى عام 2026 تحديداً، يبدو العالم أقرب إلى نقطة تحوّل دقيقة، ليست لحظة انفجار سعرى شامل، ولا مرحلة هدوء مستقر؛ بل عام تُعاد فيه معايرة المخاطر وإعادة تسعير «الاعتمادية» قبل تسعير «الطن». فالمعروض قد يبدو وفيراً فى خامات بعينها، بينما تظل الندرة الحقيقية كامنة فى التكرير والمعالجة والمعايير والقيود التجارية. وفى المقابل، يتوسع الطلب من سردية المركبات الكهربائية إلى منظومة أوسع تشمل التخزين، وتحديث الشبكات، وكهربة الصناعة، وتسارع البنية الرقمية.
• • •
يدفع الطلب على المعادن الحرجة تحوّل طاقى عالمي؛ لكن عام 2026 مرشح لأن يكشف بوضوح أن هذا الطلب لا يأتى من مسار واحد. فداخل الطاقة النظيفة تتبدل الأوزان بين المركبات الكهربائية والتخزين وتحديث الشبكات، بينما يضيف الاقتصاد الرقمى (مراكز البيانات والذكاء الاصطناعى) ضغطاً متزايداً على أحمال الكهرباء وبالتالى على المعادن. وتقدّم بيانات الوكالة الدولية للطاقة إشارة مبكرة إلى هذا التعدد، ففى عام 2024 ارتفع الطلب على الليثيوم بنحو 30%، بينما زاد الطلب على النيكل والكوبالت والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة بنحو 6 إلى 8%، مدفوعاً بتطبيقات الطاقة. وفى هذا السياق، يمكن الإشارة إلى التالي:
1- التخزين الكهربائى يصبح محرّكاً مستقلاً للطلب: مع التوسع فى نظم تخزين الطاقة بالبطاريات، المرتبطة بمُشغلى الشبكات وشركات الكهرباء، يتزايد استهلاك الليثيوم والجرافيت -وأحياناً بعض فئات النيكل بحسب التقنية- لأغراض تعزيز مرونة الشبكة وأمن الإمداد؛ لا لتلبية سوق المستهلك فقط. وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة أن القدرة العالمية المركبة للتخزين قد تتجاوز 270 جيجاواط بحلول عام 2026؛ ما يرجّح تحوّل التخزين إلى «طلب قاعدى» مستمر بدل موجة ظرفية.
2- كهربة الاقتصاد الرقمى تضيف محرّكاً جديداً: فى عام 2026 من المُتوقع ألا يأتى الضغط على المعادن من التحول الطاقى وحده، بل من تزايد أحمال الكهرباء المرتبطة بمراكز البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعى، وما يستتبعه ذلك من توسعات فى الشبكات والمحولات وأنظمة التبريد والتخزين الاحتياطي. والنتيجة أن دورة المعادن تصبح أكثر ارتباطاً باستثمارات البنية التحتية (القدرة، والشبكات، والاعتمادية)، وأقل حساسية لتذبذب مبيعات المستهلك.
3- الطلب الجيوسياسى غير المُعلن من الاستهلاك إلى التحوط: قد يتخذ جانب من طلب عام 2026 شكل «طلب احتياطيات» عبر الشراء الاستراتيجى أو بناء مخزونات صناعية، خاصة مع تصاعد قيود التجارة وحساسية نقاط الاختناق فى التكرير والمعالجة.
• • •
خلال عام 2026، لن يتمثل التحدى الرئيسى فى حجم ما يُستخرج من المعادن بقدر ما سيكون فى حجم ما يصبح قابلاً للاستخدام الصناعى داخل سلسلة القيمة؛ أى خامات مطابقة للمواصفات، ومُكرَّرة أو مُعالجة، وقابلة للتتبّع، وتستوفى متطلبات الاستدامة. وهنا تتجلى مفارقة المعادن الحرجة؛ إذ قد يسبق توسّع أنشطة التعدين قدرة العالم على تنويع طاقات التكرير وإنتاج المواد الوسيطة، فتتكوّن حالة من «الوفرة الجيولوجية» التى تواكبها فى الوقت ذاته «ندرة تشغيلية». وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن زخم الاستثمار تباطأ فى عام 2024 بالتوازى مع تسطّح منحنى الاستكشاف؛ ما يجعل عام 2026 أكثر حساسية لأى اضطراب فى الحلقات الوسطى من السلسلة، وهو ما يتضح فى الآتى:
1- تحسن العرض فى بعض الخامات، لكن الاضطراب سيبقى ممكناً: لا تلغى الفوائض المرحلية الناتجة عن توسعات سابقة، هشاشة السوق عندما يتركز الإنتاج فى عدد محدود من البلدان. فتركيز سلاسل الإمداد يعنى أن قراراً سيادياً، أو تعثراً فنياً، أو تعقيداً لوجستياً قد يقلب التوازن بسرعة؛ لذا فمن المُرجح أن يرتفع «قسط المخاطر» على الشحنات المضمونة زمناً ومواصفة؛ فتتحول عقود التوريد تدريجياً من صفقات قصيرة إلى ترتيبات أطول تُسعّر الاستقرار بوضوح.
2- التكرير سيظل عنق الزجاجة الأكثر حساسية: توافر الخام لا يعنى توافر مادة جاهزة للتصنيع؛ إذا ظلت المعالجة مركزة فى نطاق ضيق. وعندها تصبح قيود التصدير أو اشتراطات «المستخدم النهائى» قادرة على توليد تقلبات حتى عندما يبدو الخام متوفراً عالمياً؛ لذلك قد يتسع الفارق بين الخام والمنتجات الوسيطة فى عام 2026؛ بمعنى «خصومات» على الخام غير القابل للمعالجة محلياً مقابل «علاوات» على المواد المكررة أو شبه المصنعة؛ أى إن الفارق يصبح انعكاساً لهوامش سياسية وتشغيلية لا هوامش تصنيعية فقط.
3- الانضباط القسرى للمشروعات قد يصنع فجوات لاحقة: أدى انخفاض الأسعار وضعف الهوامش فى عامى 2024–2025 إلى دفع بعض الشركات لتأجيل التوسعات أو إعادة جدولة الإنتاج؛ ما يجعل عام 2026 أكثر حساسية لما يمكن تسميته «أثر النصف الثانى من الدورة». ومع تباطؤ نمو الاستثمار وتراجع وتيرة الاستكشاف فى 2024، يتقلص هامش الأمان؛ إذا تزامنت أى صدمة تشغيلية أو تجارية مع تسارع الطلب. ونتيجة لذلك، قد يشهد عام 2026 فجوات موضعية؛ مثل ندرة فى درجات نقاء معيّنة، أو فى مواد وسيطة محددة، أو فى سلاسل توريد ملتزمة بمعايير التتبّع.
• • •
أكثر ما سيُميز عام 2026، على الأرجح، أن الاستثمار فى المعادن الحرجة سيتحول من رهانات قصيرة على اتجاهات الأسعار إلى «هندسة مرونة» طويلة الأجل داخل سلاسل الإمداد. فالمسألة لم تعد أى معدن سيرتفع سعره؟ بل أى مشروع يستطيع أن يضمن تدفقاً منتظماً للمواد القابلة للاستخدام ضمن بيئة تتسع فيها القيود التجارية ومتطلبات التتبع وضغوط التمويل؛ لذلك سيظهر فى 2026 نمط استثمارى جديد يتقدم فيه التمويل المختلط (العام/ الخاص)، وضمانات الشراء، واتفاقات الإمداد طويلة الأجل، والمشروعات التى تربط التعدين بالتكرير، على حساب المشروعات التى تعتمد على دورة السعر وحدها. وفى هذا السياق، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:
1- تباطؤ الزخم الاستثمارى سيجعل 2026 عام الفرز: عندما تضعف شهية المخاطرة؛ تتحول السوق من تمويل «الوعود» إلى تمويل «القدرة على التسليم»؛ لذلك من المُرجح أن تتقدم المشروعات التى تمتلك عقود شراء طويلة الأجل، وخطط تشغيل واقعية، ومسارات واضحة للترخيص واللوجستيات، بينما تُعاد هيكلة مشروعات أخرى أو تُؤجل.
2- الاستثمار يُصبح ثلاثى الأبعاد (تعدين وتكرير وتدوير) مع علاوة للشفافية: من المُرجح أن يزداد ميل الممولين إلى محافظ متوازنة تجمع بين استخراج الخام، وبناء/ توسعة المصافى، وتطوير إعادة التدوير؛ لأن العائد يتشكل أكثر عبر «استقرار السلسلة» لا عبر سعر الخام وحده. كما تتسع علاوة المشروعات القادرة على إثبات التتبع وتقليل المخاطر التنظيمية.
• • •
إذا كان العقد الماضى يُسعّر السلع فى الغالب وفق توازن العرض والطلب؛ فإن عام 2026 مرشح لأن يُعيد تعريف سوق المعادن الحرجة بوصفه يُسعّر «الاعتمادية» قبل «الكمية». ففى عالم تتسارع فيه الكهربة والرقمنة، لا تُقاس قيمة المعدن بوجوده فى باطن الأرض فقط؛ بل بقدرته على الوصول إلى المصانع فى صورة موثوقة وقابلة للاستخدام، وبقدرة سلسلة الإمداد على تحمّل الصدمات؛ لذلك ستتحرك الأسواق بعقلية مختلفة؛ لا تسأل كم نملك؟ بقدر ما تسأل هل يمكن الاعتماد على ما نملك؟
1- من سعر واحد إلى فروق أسعار حادة داخل المعدن نفسه: فى عام 2026 قد يتسع الفرق بين خام متاح وبين مادة وسيطة «جاهزة للتصنيع» تستوفى النقاء والمواصفات والتتبع؛ فتظهر علاوات على الجاهزية الصناعية، وخصومات على خام لا يجد مسار معالجة موثوق أو سريع.
2- من المنافسة على المنجم إلى المنافسة على الحلقات الوسطى: ستتركز المفاضلة الفعلية على التكرير والمعالجة والمواد الوسيطة واللوجستيات؛ أى المفاتيح التى تُحوّل الوفرة الجيولوجية إلى عرض صناعى. وفى هذا المستوى تحديداً ستُصاغ موازين النفوذ، لا عند حدود الاستخراج فقط.
3- الاستدامة تتحول إلى ترخيص اقتصادى لدخول الأسواق: لن تبقى الاستدامة عنواناً أخلاقياً أو شرط سمعة؛ بل ستصبح على نحو متزايد، معيار قبول تجارى. وقد يصبح جزءا من المعروض «غير قابل للبيع» فى أسواق بعينها؛ إذا لم يستوفِ متطلبات التتبع والمسئولية؛ فتظهر ندرة تنظيمية حتى مع وفرة جيولوجية.
ختاماً، فإن خلاصة عام 2026 ليست أن العالم سيفتقر للمعادن أو سيفيض بها؛ بل إنه يغذى مرحلة يصبح فيها الطن أقل أهمية من السلسلة: منجم بلا تكرير ليس أمناً معدنياً، وتكرير بلا تتبع ليس وصولاً مستقراً إلى الأسواق، وسياسة بلا استثمار فعلى ليست سوى إعلان نيات؛ ومن ثم يتحول السؤال المركزى من «كم سننتج؟» إلى «هل سنستطيع الاعتماد على ما ننتج؟» وهذا هو جوهر التحول العميق الذى يجعل المعادن الحرجة لغة جديدة للقوة الاقتصادية. ومن يقرأ هذه اللغة مبكراً ويستثمر فى التنويع وبناء الحلقات الوسطى وشفافية السلاسل، لن ينجو من تقلبات 2026 فقط؛ بل سيشارك فى صياغة قواعد اللعبة لما بعدها.
رشا مصطفى عوض
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/59rtr3c8