القوة العربية المشتركة

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: الأحد 15 مارس 2015 - 9:25 ص بتوقيت القاهرة

بفارق بسيط فى الزمن خلال شهر فبراير الماضى، صدرت عن مصر مبادرتان جريئتان فى مجالى السياسة الخارجية والدفاعية. المبادرة الأولى تعلقت باستصدار تفويض من مجلس الأمن الدولى بالتدخل العسكرى فى ليبيا لمحاربة التنظيمات المتطرفة وللتغلب على الفوضى وفرض الشرعية فيها. لم يكن واضحا من هو الطرف أو من هى الأطراف المطلوب من مجلس الأمن أن يفوضها فى التدخل العسكرى، ولكن على أى حال لم تتمسك مصر بمبادرتها هذه وخبا الحديث عنها. المبادرة الثانية لم تكن موجهة إلى مجلس الأمن وإنما إلى المحيط الإقليمى العربى، وتحديدا إلى الدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية، وإلى الجامعة نفسها باعتبارها البنية المعبِّرة عن إرادتها الجمعية. هذه المبادرة تعلقت بإنشاء قوة مسلحة عربية مشتركة تتدخل ضد التنظيمات المتطرفة والإرهابية المعتدية على سلامة أراضى الدول العربية وعلى أرواح مواطنيها. هذه المبادرة الثانية تثير مسألة انعقاد الإرادة الجمعية العربية مرتين، الأولى انعقادها حتى تنشأ هذه القوة، والثانية انعقادها عندما يرى البعض أن ثمة حاجة لاستخدام هذه القوة. من الواقعية الاعتقاد بأن انعقاد الإرادة لاستخدام القوة المشتركة أكثر صعوبة نسبيا لأنه سيكون قرارا متجددا فى كل مرة تنشأ الحاجة إلى هذا الاستخدام.

•••

قرار نشأة القوة المشتركة ليس أقل صعوبة إلا من الناحية النسبية فقط. المادة الثالثة والأربعون من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن تتعهد الدول الأعضاء بأن تضع تحت تصرف مجلس الأمن، بغرض المساهمة فى حفظ السلم والأمن الدوليين، قوات مسلحة ومعونة ومرافق بمقتضى اتفاقيات تبرمها هذه الدول مع مجلس الأمن، على أن يأخذ المجلس المبادرة لإبرام هذه الاتفاقيات. مرت سبعون سنة على التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة وعلى دخوله حيز النفاذ، ولم تضع أى دولة أى قوات تحت تصرف مجلس الأمن ولم تبرم أى دولة اتفاقية من تلك المشار إليها فى المادة الثالثة والأربعين. وضع قوات مسلحة رهن الإرادة الجمعية للدول الممثلة فى منظماتها الدولية أمر صعب لأنه يتعلق بأهم الأدوات المعبرة عن سيادة الدول. وقد ترجع الصعوبة أيضا لإدراك الدول الأعضاء فى أى منظمة دولية الصعوبة الأخرى والمتكررة لاتخاذ قرارات استخدام هذه القوة. على الرغم من اتخاذه قرارا بإنشاء قوة طوارئ إفريقية، فإن الاتحاد الإفريقى أجَّل إنشاءها عدة مرات والمفترض حاليا أن تنشأ القوة المذكورة فى العام الحالى 2015 إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.

الاتحاد الأوروبى هو النموذج لعملية التكامل الإقليمى الناجحة. ومع ذلك، فإن عملية اتخاذ القرار فى سياسته الدفاعية والأمنية المشتركة ما زالت عملية فى غاية الصعوبة. منذ نشأة التكامل الأوروبى عند منتصف القرن العشرين أدرك الآباء المؤسسون لها صعوبة التكامل فى أمور السياستين الخارجية والدفاعية فابتعدوا عنهما وانكب التكامل الأوروبى على مجال الاقتصاد بقطاعاته المختلفة. ولما بدأ الاتحاد الأوروبى بعد زهاء خمسين عاما فى الخوض فى مجال السياستين الخارجية والدفاعية حتى مأسسته فى شكله الحالى فى اتفاقية لشبونة فى سنة 2007، فإنه، وخلافا للمجالين الاقتصادى والاجتماعى، أبقى على قاعدة الإجماع فى اتخاذ القرار فى حالة التدخل العسكرى على كل من مستوى مجلس رؤساء الدول والحكومات ومجلس وزراء الخارجية، بعبارة أخرى أى دولة عضو، وإن كانت صغيرة الحجم وقليلة الثروة والسكان، يمكنها أن تجهض اتخاذ قرار التدخل العسكرى، فما بالك إن كانت الدولة قوية باقتصادها وبعدد سكانها؟ الواقع هو أن هذا ما حدث إبان التدخل فى ليبيا فى سنة 2011، حيث إن رفض ألمانيا لمبدأ التدخل باسم الاتحاد الأوروبى جعل فرنسا وبريطانيا تتدخلان باسميهما هما وليس باسم الاتحاد الأوروبى. بالطبع لم يخطر على بال أحد فى أوروبا أن يكون التدخل فى واحدة من الدول الأعضاء فى الاتحاد. والشك قليل فى أن عقد الاتحاد سينفرط لو تصورنا تجرؤ دولة أو دولتين على مثل هذا التدخل بإرادتيهما المنفردتين.

•••

صعوبة اتخاذ القرار بشأن إنشاء القوة العربية المشتركة لابد أن تكون فى أذهان السلطات المصرية وهى تروج لمبادرتها. هل يمكن أن تقبل الدول العربية جميعها وبلا استثناء إنشاء قوة عسكرية مشتركة؟ وهل يمكن أن تجمع هذه الدول على استخدام هذه القوة إن رأت دولة أو عدة دول ضرورة لهذا الاستخدام؟ وافترض أن القوة نشأت ثم افترض أن عددا من الدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية دعت إلى استخدامها ولم يكن هذا ما تراه مصر، فما الذى يمكن أن يحدث فى هذه الحالة؟ وما الذى يمكن أن يحدث عموما إن اختلفت الدول الأعضاء على استخدام القوة المشتركة وهو الاحتمال الأرجح فى العلاقات بين الدول فى إية منطقة كانت؟ إما أن تصاب القوة بالشلل وعندئذ فما الحاجة إلى إنشائها أصلا وإلى إنفاق الجهد والوقت فى الترويج لفكرتها؟ وإما أن تستخدم القوة ضد إرادة بعض الدول الأعضاء فى الجامعة فيتعرض عقد الجامعة نفسه للانفراط.

تبقى مسألة الاستخدام المشروع للقوة فى العلاقات الدولية. هذا الاستخدام حق يسستأثر به مجلس الأمن بمقتضى المادتين الحادية والأربعين والثانية والأربعين من الميثاق، وهو له أن يفوض منظمة إقليمية فى استخدام القوة تحت سلطته وفقا للمادة الثالثة والخمسين التى تشدد أيضا على أنه لا يمكن لمنظمة إقليمية أن تستخدم القوة من غير تصريح من مجلس الأمن. صحيح أن الاتحاد الإفريقى استخدم القوة فى كل من السودان وبوروندى فى سنة 2004 بدون تصريح مسبق من مجلس الأمن ولكن هذا الاستخدام فى كلتا الحالتين كان بموافقة من حكومتى البلدين، وصدر بشأنهما تصريحان لاحقان من مجلس الأمن. هناك ثلاثة عناصر جعلت التدخل فى هاتين الحالتين شبه يسير، ويجدر الإشارة إليها. أولا أن حكومة الدولة المعنية قبلت استخدام القوة، ثانيا أن أعضاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقى قد أجمعوا على استخدام القوة، وثالثا أن العنصرين الأولين يسرا على مجلس الأمن إضفاء الشرعية لاحقا على استخدام الاتحاد الإفريقى للقوة العسكرية. ومن المشروع الشك فى أن مجلس الأمن كان سيضفى هذه الشرعية لو انقسمت الدولة المعنية على نفسها، أو لو تباينت إرادات الدول الأعضاء فى مجلس السلم والأمن الإفريقى. التحليل يبين أن العنصرين الأولين هما الأساسيان، وهما عنصران يصعب تماما تحققهما فى الأزمات العربية المستعرة، فى الوقت الحالى على أقل تقدير، فى ليبيا، والعراق، وسوريا، واليمن.

أيا كانت سلامة القصد من وراء أى مبادرة، فلابد أن تؤخذ آثارها على التماسك العربى المعطوب أصلا فى الاعتبار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved