ما فى الظلم مثل تحكّم الضعفاء!
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 15 مايو 2026 - 6:05 م
بتوقيت القاهرة
«ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك» هذا توصيف الإله لحالة رسوله الذى كسب قلوب الناس بالود واللين والكلمة الطيبة.. ومع ذلك فهناك من الناس من لا يفهم هذا فتجده يستغل المنصب الذى حازه بالصدفة ودون استحقاق لعلاج نفسه البائسة على حساب مرءوس مهذب لا يستطيع أن يرد.
الابتسامة فى وجه الناس صدقة ولا تكلف صاحبها شيئا، ولكن الكثيرين لا يحسنون التصدق، خاصة بعض الرؤساء والمديرين وأصحاب الأعمال، فهم يظنون أن الجهامة والسحنة المقلوبة من شأنهما أن يبعثا على الاحترام وبث الرهبة فى نفوس الموظفين، ويعتقدون أن غباوة القلب والغلظة فى القول والجليطة فى التعامل من شأنها أن تدفع لإنجاز العمل وتحفظ للمدير مهابته واحترامه.
وفى ظنى ليست المسألة متعلقة ببلاد غنية أو بلاد فقيرة، عالم متقدم أو عالم ثالث، فمشاعر الناس ورهافتهم واحدة فى كل مكان، والموظف الصغير فى الغالب يكون فى حالة هشاشة تجعل جرحه أمرا سهلا من جانب رؤسائه الكبار.
كنت زمان أشعر بغضب عارم من الزملاء عندما أذهب إلى العمل فى الصباح وأجدهم يتحدثون عن أن المدير اليوم فى حالة مزاجية سيئة، ولهذا يحسن ألا يقترب منه أحد!.
كنت أرى أن عمل حساب لمزاج سيادته أمر مهين، لأن ما يربطنا به هو العمل ولكل منا دوره واختصاصه دون فضل أو منّة، وكنت أنفعل عليهم وأنا أذكّرهم بأن كل منا يأتى إلى العمل وهو محمّل بالهموم والمشاكل، فهناك مَن يمر بضائقة مالية ومن لديه طفل مريض ومن يتعذب فى الحب، ولكننا لا نجعل شيئا من هذا سببا للتجهم فى وجه سيادته أو معاملته على نحو فظ، لكن من الواضح أن الكثيرين لم يكونوا يشاطرونى الرأى وكانوا يرون مزاج سيادة المدير مسألة فى غاية الأهمية وأنك إذا تجاهلت هذه الحقيقة تكون من الخاسرين.
ولقد خسرت بالفعل فرصا كنت جديرا بها بسبب أننى لم أكن أقيم وزنا لمزاج صاحب السيادة ولا كنت أسمح لتعكره أن يكون ذريعة لتوبيخى ومعاملتى بغلظة.
وقد كنت أعرف أن المدير العنيف، ضعيف من الداخل وهو فى الغالب من النوع الذى توبخه زوجته وتعطيه طريحة صباحية قبل توجهه للعمل، فيقوم بتعويض هوانه المنزلى فى مقر العمل مع الموظفين.
والحقيقة أن المدير عندما يكون من النوع الرخيص النذل الذى يستعذب إهانة المرءوسين فإنه يكون فى الوقت نفسه صاحب قرون استشعار تجعله يعرف مَن من موظفيه قابل لتلقى الإهانة فى صمت، ومَن منهم سوف يرد الصاع صاعين والتطاول مضروبا فى عشرة مهما كانت النتائج.. ويبدو أن رؤسائى قديما كانوا يفهمون بمجرد النظر فى وجهى أننى من النوع الذى لا يسكت على الضيم فلم يحاول أحدهم أن ينسى نفسه وهو يتحدث معى حتى لا يتهزأ وتتبعثر كرامته أمام موظفيه.
نعم كنت صادقًا فى الذود عن كرامتى، لكن هذا كلفنى كثيرا فالرؤساء عندنا يقومون بمكافأة وترقية من يتحملون الإهانة ولا يردونها بينما يضطهدون صاحب الكبرياء، وهذه فى ظنى صيغة حياتية معقولة، فالإنسان لا يستطيع أن يأخذ من الدنيا كل شىء.
وصلنا إذًا إلى أن هناك من صغار الموظفين من لا تؤذيهم الإهانة ولا تجرحهم الكلمة القاسية ويأخذون مقابل ذلك فرصا وأموالا.. لكن إلى جانب هؤلاء يوجد أناس فى غاية الرهافة والذوق لا يستوعبون أن يهينهم أحد، لكنهم لا يملكون ما كنت أحوزه من قدرة على التحدى والاستبياع ومناطحة الأقوياء وتخويفهم.. لذلك فإن مثل هؤلاء الناس ينزفون من الداخل فى صمت ويتعرضون للأمراض النفسية والجسدية، كما أن حياتهم العائلية تتحطم بسبب مديرين فى غاية الوقاحة والصلف اعتادوا أن يتلقوا الإهانة وأن يقوموا فى الوقت نفسه بتصديرها فى دائرة جهنمية من انعدام القيمة والحياء.
وأذكر أننى صادفت مديرا كان الأسوأ من بين الأوغاد الذين لقيتهم، فقد كانت سحنته كئيبة بطبعها وكانت تزداد انقباضا حين يغضب.. هذا الرجل تسبب فى إصابة زميل بأزمة قلبية كادت تقضى عليه بسبب أن هذا الزميل قال له صباح الخير فلم يرد.
ظل الزميل يسألنا ويسأل نفسه طوال اليوم: ماذا فعلتُ وما عساه يكون قد أغضبه منى؟ وهل يؤثر هذا الغضب على الترقية القادمة فتتأخر، وهل يكون سببا فى إلغاء المأمورية التى حاربت لأجل الفوز بها؟ وعندما ذهب هذا الزميل إلى البيت فإنه اصطحب تعاسته معه فتشاجر مع زوجته وقام بتعنيف طفليه بدون داع، ثم انتهى اليوم بسقوطه مغشيا عليه ودخل المستشفى فمكث بها أسبوعين للعلاج.
وقد ذكرتنى حالة هذا الزميل بحالة الموظف فى قصص تشيكوف أيام روسيا القيصرية عندما كان يسقط ميتًا إذا أحس أن المدير غاضب منه! لأجل هذا فإننى حين دارت الأيام وصرت مديرا وتحت يدى موظفين فقد كنت عارفا تماما لقيمة الابتسامة، وكنت حريصا ما استطعت على ألا أجعل أحدا يعود إلى البيت حزينا بسببى، ذلك أننى وعيت أن العمل يمكن أن يسير بشكل طيب دون الحاجة لاستخدام آليات الترويع البدائية التى يظن الجبناء أنها تصنع لهم هيبة وتمنحهم أهمية، وأدركت أن الحياة مؤلمة بما فيه الكفاية ولا تحتاج أن نضيف للناس فيها أحزانا فوق أحزانهم.. والحمد لله أننى ابتعدت من زمان عن هذا العالم الفظيع الكاسر للقلوب.
عبّر الشاعر خليل مطران عما نتحدث عنه هنا ببساطة بليغة حين قال: وما فى الظلم مثل تحكّم الضعفاء!