ما أشبه الليلة بالبارحة

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 15 يوليه 2020 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

عندما ضعفت الخلافة الأموية فى الأندلس، ودخلت الأخيرة فى عصر ملوك الطوائف، وصف أحدهم الحالة التى وصلت إليها الأمور فى الحواضر والمدن، والتى كانت من قبل تعج بالثقافة والتقدم الحضارى، وصفها بأنها كانت «شدادا نكدات، صعابا مشئومات، لا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، مع اشتغال الفتنة، وخرق الهيبة، وظعن الأمن، وحلول المخافة».
إنها صورة كالحة حزينة تصلح لأن توصف بها أحوال الوطن العربى فى عصره المأساوى الذى يعيشه فى اللحظة الحالية. تلك كانت الصورة فى مدن من مثل قرطبة واشبيلية وغرناطة، وهى الصورة نفسها فى كثير من مدن أقطار اليمن وسوريا وليبيا والعراق على سبيل المثال.
ما يهمنا ليس التماثل فى الصورة وإنما التماثل فى ما وراء الصورة من مسببات وعلاقات مريضة وتخيلات خاطئة.
فى تلك الحقبة كثرت الفتن والمكائد والدسائس السياسية والأمنية، وتلك قادت إلى تولى واصطناع سفلة القوم فى مناصب الحكم، وتميزت الحياة السياسية بالتغيرات المتسارعة فى صعود وهبوط الأقليات وبانتشار الخيانات والاغتيالات، وبالتحالف مع الخارج من ملوك النصارى المهاجمين وزعماء مختلف الطامعين.
وبالطبع بقيت الأنشطة الاقتصادية خاضعة وخادمة للحياة السياسية، وبالتالى، كما هو حال السياسة آنذاك، غير مستقرة. ولما كانت الثروة ريعية فى الدرجة الأولى وجبائية بالقوة والسطوة والإكراه عند اللزوم، فإنها استعملت لشراء الولاءات وإسكات المعارضات وعيش حياة بذخ القصور، وهذا بدوره جعل الاقتصاد استهلاكيا غير مرتبط بهياكل ومؤسسات ثابتة خارج تلاعبات ومغامرات السياسة.
ولذلك فما كان بمستغرب أن تضعف الخلافة شيئا فشيئا وتنتهى إلى تقاسم الأندلس فيما بين ملوك الطوائف المتصارعين، المتآمرين على بعضهم البعض، المتعاونين مع الخارج لحسم مناكفات وصراعات الداخل.
وبالطبع ما كان بإمكان مركز الخلافة فى بغداد أن يمد يد المساعدة بأية صورة من الصور، إذ كانت الخلافة العباسية هى الأخرى تعيش محن الفتن وتدخلات قوى الخارج وتراجع الحياة على كل مستوى.
ما أشبه الليلة بالبارحة. فكل مجالات الحياة عبر الوطن العربى أكمله، إما أنها وصلت إلى صورة البؤس التى وصلت إليها كل مجالات الحياة فى الأندلس، وإما أنها قابلة، عند توفر الظروف الملائمة، للانتقال من حالة الخمول والترقب والشلل التى تعيشها الآن إلى الحالة البائسة التى عاشها الأندلسيون فى نهاية زخمهم الحضارى الذى كان مثار إعجاب المحبين والكارهين على السواء.
الصورة الحاضرة هى الصورة الماضية، ولكن الاختلاف هو فى التفاصيل. بدلا من تناحر القبائل لدينا تناحر همجى فيما بين أقطار الوطن العربى، وبدلا من الاحتماء بالافرنج الغزاة لدينا من ينشد الاحتماء بالاستعمار الأمريكى والغزاة الصهاينة، وبدلا من استهلاك ثروة الجباية فى الترف والعبث لدينا من يستهلك ثروات البترول والغاز والفوسفات الناضبة فى أنواع جديدة عصرية من الترف والعبث، إلخ...إلخ من التماثلات.
إذا كان شباب وشابات الأمة يريدون أن يتعرفوا على ما ينتظرهم فى المستقبل، وما عليهم أن يستعدوا لمواجهته ودحره منذ الآن، فليقرأوا بتمعن تاريخ الأندلس. فمثلما ضاعت فى الماضى حضارة نشطة رائعة بفعل السخافات والبلادات والصراعات العبثية والانقسامات المجنونة، هناك إمكانية أن نضيع، نحن عرب اليوم، نضالات هائلة وتضحيات جسام بذلت عبر قرنين من الزمن، وذلك بسبب ارتكاب بعضنا لسخافات وبلادات وصراعات وانقسامات مجنونة تهدد محاولات نهوض الجميع من تخلفنا الحضارى المعيب.
هل كان باستطاعة أهل الأندلس تجنب مصيرهم ومصير حضارتهم المأساوى؟ الجواب هو «نعم». كان بالإمكان لو توفرت شروط كثيرة لا تسمح محدودية المقال بالدخول فى تفاصيلها. ما يهمنا هو أن نتجنب نحن مثل ذلك المصير المفجع بسبب الجحيم الذى يعيشه الوطن العربى.
هناك كتابات وأقوال كثيرة حول هذا الموضوع، وحول سبل الخروج، يحتاج شباب وشابات الأمة أن يدرسوها بتمعن وباستيعاب بدلا من تركيز كل وقتهم، أو جله، فى متابعة وسائل التواصل الاجتماعى العربية والأجنبية، بالرغم من أهميتها.
وهم بحسهم النضالى يعرفون ما أعنى بالضبط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved