ورحل «جان زيجلر».. النصير السويسرى للقضايا العربية
وليد محمود عبد الناصر
آخر تحديث:
الأربعاء 15 يوليه 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
رحل مؤخرًا عن عالمنا السياسى والعالم والمفكر والأستاذ الجامعى والبرلمانى السابق والمسئول الأممى السابق السويسرى الدكتور «جان زيجلر» عن عمر يناهز الـ92 عامًا، نتيجة مضاعفات إصابته بمرض «الباركنسون» فى الفترة السابقة على وفاته، وذلك بعد حياة حافلة من النضال السياسى والفكرى والأكاديمى على الأصعدة السويسرية والأوروبية والعالمية، وبعد ستة عقود عرف عنه خلالها مناصرته للعديد من القضايا العربية.
وقد تحول «زيجلر» منذ عقد الستينيات من القرن العشرين إلى أيقونة من أيقونات اليسار السويسرى والأوروبى، بل والعالمى، واستمر كذلك حتى وفاته، حيث حظى دائمًا بتقدير واحترام كبيرين من أوساط اليسار السويسرى والأوروبى والعالمى، وامتد الاحترام له أيضًا ضمن دوائر عديدة خارج صفوف اليسار، وقد ظهر ذلك واضحًا فى اتساع مدى ونطاق الشخصيات والحكومات والأحزاب والمنظمات التى نعته وعددت أوصافه ومزاياه وإنجازاته بعد وفاته، كما ظهر من خلال حصوله على أوسمة رفيعة من عدد من بلدان العالم مثل فرنسا وإيطاليا وكاب فردى.
وبالرغم من أن بدايات وعيه السياسى والأيديولوجى كان فى سياق انضمامه لحركة طلابية محافظة ويمينية التوجه، فإن "جان زيجلر"، عندما انتقل إلى باريس فى مطلع عقد الستينيات من القرن الماضى لاستكمال دراساته العليا بجامعة السوربون بباريس، تعرف على كل من الفيلسوف الفرنسى الوجودى الشهير الراحل «جان بول سارتر» والكاتبة الفرنسية الشهيرة الراحلة سيمون دى بوفوار، وفى باريس تعرف على الفكر الماركسى واقترب منه وتأثر به، ولكن فى باريس أيضًا بدأت معرفته بقضايا النضال من أجل التحرر الوطنى فى الوطن العربى، حيث تعرف عن قرب على قضية نضال الشعب الجزائرى من أجل تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسى، وبدأ يكتب فى الصحافة بهدف نصرة الشعب الجزائرى وقضيته ونضاله، كما صار نشيطًا فى العديد من الفعاليات التى تم تنظيمها لدعم هذه القضية، وقد كلفه ذلك صدور مواقف ضده من قبل بعض القوى السياسية وبعض تجمعات ودوائر المثقفين الفرنسيين فى ذلك الوقت.
وقد تطورت علاقة صداقة وطيدة وحميمة جمعت بين «جان زيجلر» وبين الزعيم الجزائرى الراحل أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال وإعلان الجمهورية، وهى علاقة استمرت لعقود، وشهدت سفرهما معًا إلى بغداد خلال الأزمة بين العراق وبين الدول الغربية فى فترة ما بعد غزو العراق للكويت فى 2 أغسطس 1990، وكانت الزيارة بغرض التوسط لإفراج نظام الرئيس الراحل صدام حسين عن رهائن سويسريين محتجزين لديه، وحققت الوساطة آنذاك نجاحًا جزئيًا وأفرج العراق عن بعض هؤلاء الرهائن، واتهم «زيجلر» الحكومة السويسرية فى ذلك الوقت بأنها رفضت طلبه السماح بتصدير بعض الأدوية ومنتجات ألبان للأطفال للعراق بناء على طلب الحكومة العراقية مقابل الإفراج عن بقية المحتجزين السويسريين فى العراق.
وقد أدان «زيجلر» بوضوح على مدى سنوات العقوبات التى وصفها بـ«غير الإنسانية» التى تم فرضها على العراق فى الفترة ما بين عامى 1990 و2003، وأشار إلى آثارها السلبية على الشعب العراقى بشكل عام، وأطفال العراق على وجه الخصوص، كما أنه خلال وعقب الغزو الأمريكى للعراق فى عام 2003، حرص «زيجلر» على التركيز على ما تتجاهله وسائل الإعلام الغربية بشأن الأعداد الضخمة من الضحايا العراقيين، ليس فقط من العسكريين بل بأعداد أكبر من المدنيين، نتيجة الغزو، بالإضافة إلى التدمير الضخم الذى لحق بالبنية التحتية المدنية والمنشآت المدنية العراقية من جراء الغزو العسكرى الأمريكى.
ولكن يتعين أن نعود إلى مواقف «جان زيجلر» إزاء قضية التحرر الوطنى والاقتصادى والتحول الاقتصادى والاجتماعى فى مصر خلال الحقبة الناصرية، فنجد هنا كتابه البارز باللغة الفرنسية الذى صدرت منه عدة طبعات بعنوان: «جمال عبدالناصر: تأميم القناة والاشتراكية العربية»، وهو كتاب عبر فيه بقوة ومن خلال آراء موثقة عن دعمه لبعض مكونات تجربة مصر خلال حياة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، خاصة لما تمثله تجربة قرار تأميم قناة السويس من قبل الرئيس عبدالناصر فى 26 يوليو 1956، وما عناه ذلك آنذاك من تغيير فى النظام الدولى والمفاهيم الحاكمة له، بل وفى القانون الدولى ذاته، وما أكده من حق الشعوب فى بلدان الجنوب فى ممارسة السيادة على مواردها الطبيعية وما يمر بأراضيها من ممرات مائية، كذلك حيا «زيجلر» صمود الشعب المصرى فى مواجهة العدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الإسرائيلى ضد مصر ردًا على تأميم قناة السويس بالإضافة إلى نجاح مصر السياسى فى تعبئة وحشد الدعم الدولى الواسع لقضيتها ما ولد ضغوطًا على الدول المعتدية الثلاث وأجبرها على الانسحاب.
وفى نفس السياق، عبر «زيجلر» عن دعمه لتجربة مصر فى التحول نحو شكل من أشكال الاشتراكية فى مطلع عقد الستينيات من القرن العشرين، حتى وإن اختلف مع بعض مكوناتها، وما أفرزته على صعيد الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، سواء على صعيد دخول الاقتصاد المصرى مرحلة التصنيع الثقيل والتحول من اقتصاد يعتمد على الزراعة فى الأساس إلى اقتصاد يعتمد بشكل أساسى على الصناعة، وكذلك كهربة الريف ودخول مياه الشرب النقية إلى مئات القرى المصرية، بالإضافة إلى صدور القوانين المتتالية للإصلاح الزراعى، وركز على ما حققته تلك التجربة من نجاحات بالذات فى اتجاه تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية والتكافؤ الاقتصادى فى المجتمع المصرى ورفع المستوى المعيشى للطبقات الدنيا والوسطى.
وقد عبر «جان زيجلر» أيضًا خلال مراحل مختلفة من حياته عن دعمه للعديد من بعض التجارب التى جرت فى عدد من الدول العربية التى رفعت حكوماتها شعارات «التقدمية»، خاصة فيما يتعلق بمساعى إعادة توزيع الثروة والدخل، وتمكين الطبقات الاجتماعية المهمشة، وكذلك تمكين المرأة، وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية لعموم الشعب، إلا أنه فى الوقت نفسه أكد فى مناسبات عديدة رفضه لغياب الحريات السياسية والديمقراطية عن تلك التجارب، واعتباره هذا الغياب مسئولًا، بدرجة أو بأخرى، عن انهيار تلك التجارب وانتكاس المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التى حققتها بسبب غياب الديمقراطية السياسية وعدم وجود دولة المؤسسات، معتبرًا أنه لا معنى للتقدمية الاقتصادية والاجتماعية إذا تم تفريغها من محتواها الديمقراطى الذى يمكن الشعوب من حماية مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية.
كذلك اشتهر «جان زيجلر» بمواقفه الداعمة للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطينية، ولنضاله من أجل الوصول إلى ممارسة حقه فى تقرير مصيره وتحقيق تحرره الوطنى وبناء دولته المستقلة على أرضه، كذلك شن حملات لم تتوقف ضد اعتداءات إسرائيل المتكررة ضد وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، خاصة عدوان 2006، حيث اتهمته الحكومة الإسرائيلية وقتها بالتركيز على انتهاكات إسرائيل للقانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى فى عدوانها على الشعب اللبنانى بينما تجاهل انتهاكات «حزب الله» اللبنانى لحقوق الشعب الإسرائيلى من خلال اعتداءاته المتكررة على شمال إسرائيل.
إلا أن هذه المواقف المناهضة لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه الشعب الفلسطينى والبلدان العربية الأخرى لم تحل دونه ودون قيامه بدور كبير فى الهجوم على دور البنوك السويسرية فى إخفاء بيانات عن أرصدة مالية لديهم تخص يهودًا أوروبيين قتلوا فى المحرقة النازية فى أوروبا، وشارك بفعالية فى عقد التسعينيات من القرن العشرين فى ممارسة الضغوط المحلية فى سويسرا، والدولية، خاصة من جانب الإدارة الأمريكية الديمقراطية لبيل كلينتون فى ذلك الوقت، والحكومة الإسرائيلية بالطبع، والتى أدت فى نهاية المطاف إلى قبول الحكومة الفيدرالية السويسرية بالالتزام بدفع تعويضات عن تلك الأرصدة والأموال إلى أحفاد أو ورثة اليهود الذين فقدوا حياتهم فى المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
ومع هذين الموقفين موقف ثالث يبرز التزام «زيجلر» بالدفاع عما يراه من مبادئ بغض النظر عن الثمن الذى يدفعه مقابل ذلك، بالرغم مما يبدو من خلال الرؤية السطحية من تناقض بين موقف وآخر، وأشير هنا إلى دفاعه، فى عقد التسعينيات من القرن العشرين عن المفكر والفيلسوف الفرنسى الشهير الراحل روجيه جارودى فى وجه الحملة التى تعرض لها من الدوائر المؤيدة لإسرائيل وللحركة اليهودية العالمية والحركة الصهيونية العالمية، بسبب تشكيكه فى أرقام اليهود الذين قتلوا فى المحرقة النازية، وما صدر ضده من أحكام فى ذلك الوقت وحظر نشر أو بيع كتبه فى أوروبا، إلا أن «زيجلر» كان حريصًا على إيضاح أنه لا يدافع عن تشكيك «جارودى» فى عدد اليهود الذين قضوا نحبهم فى المحرقة النازية، ولكنه كان حريصًا على دعم «جارودى» فى وجه ما اسماه بـ«توغل وتعاظم دور وتأثير الأصوليات الدينية» على الصعيد العالمى.
وهكذا عرضنا بعض مواقف «جان زيجلر» إزاء بعض القضايا العربية على سبيل المثال لا الحصر، وسوف نظل نتذكره كشخصية سويسرية وأوروبية وعالمية لها وزنها قامت بالدعم والدفاع عن، لأكثر من ستة عقود ونصف العام، العديد من القضايا والحقوق العربية، وسيبقى إرثه حيًا وأفكاره باقية ومؤثرة على الأصعدة السويسرية والأوروبية والدولية.