بطيخة دارون وكذبة العسل
صحافة عربية
آخر تحديث:
الأربعاء 15 يوليه 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
انتشر على وسائل التواصل خبر تضمن التحذير من تناول الفواكه التى تنعدم البذور فيها، بحجة أنها تزرع فى المختبرات وتعالج جينيا، أو تستخدم التربة الصناعية فى زراعتها، بالتالى هى غير طبيعية وغير صالحة للاستهلاك البشرى!
الحقيقة أن الفواكه أو الثمار «عديمة البذور»، لا تختلف بتاتا عن غيرها، ومن يدعِ غير ذلك يخلط بين عدة مفاهيم.
كيف تتكون الفواكه عديمة البذور؟ هنا يأتى دور الاكتشاف العبقرى للعالم «دارون»، قبل 166 عامًا، عن الطفرات الطبيعية. فبعض النباتات التى تنتج ثمارًا من دون بذور قابلة للإنبات بشكل طبيعى، يحدث لها ذلك بسبب طفرات جينية. فعلى سبيل المثال، ينتج البطيخ عديم البذور عن تهجين بطيخة عادية (ثنائية المجموعة الكروموسومية) مع بطيخة ذات كروموسومات مضاعفة (رباعية المجموعة الكروموسومية)، ما ينتج عنه ذرية عقيمة (ثلاثية المجموعة الكروموسومية) - وهذا ما يُعرف بتربية النباتات التقليدية، ولا علاقة للأمر بالتلاعب المختبرى بالمعنى «الاصطناعى» الذى يتصوره البعض.
كما يحدث التكاثر العذرى (دون تلقيح) لبعض النباتات، مثل الموز والأناناس، أى دون إخصاب على الإطلاق. والموز الخالى من البذور مثال قديم جدًا، فالموز هو هجين عقيم طبيعى، قام الإنسان بالإكثار من زراعته من آلاف السنين عن طريق العُقل، لا البذور.
كما أن التطعيم والإكثار الخضرى، أى تُكاثر أصناف الفاكهة الخالية من البذور (مثل العديد من أنواع العنب والحمضيات والطماطم) عن طريق تطعيم العُقل على جذورها بدلًا من زراعتها من البذور. هذه تقنية زراعية عريقة، وليست غريبة أو «غير طبيعية». علما بأن المزارعين دأبوا على تطبيقات التربية الانتقائية، من خلال انتقاء الفاكهة الخالية من البذور أو قليلة البذور لفترة طويلة، قبل ظهور الهندسة الوراثية الحديثة.
أما ما يتعلق بالزراعة فى تربة اصطناعية، فلا علاقة له بالفواكه الخالية من البذور، فهذه تزرع فى التربة العادية، تمامًا مثل الأصناف ذات البذور، فنوع التربة لا علاقة له بالأمر. إضافة لذلك، فإن الفاكهة الخالية من البذور آمنة تمامًا ومغذية. ولا صحة لفكرة أنها أقل طبيعية أو ضارة، فهى تخضع لنفس عمليات النمو والنضج، وللعمليات التنظيمية (إن وجدت)، التى تخضع لها أى منتجات أخرى.
• • •
لكن ما الطفرات الجينية، فى الحيوانات، ومنها الإنسان، والنباتات، وكيف تعمل؟
الطفرات هى تغيّر يحدث فى المادة الوراثية داخل الـDNA أو فى ترتيب الجينات، وقد يكون هذا التغيّر صغيرًا جدًا أو كبيرًا نسبيًا. ويمكن، ببساطة، تخيل الجين كأنه تعليمات مكتوبة داخل الخلية، والطفرة هى خطأ أو تعديل فى هذه التعليمات. وهذا التغيير قد يحدث بشكل طبيعى أثناء انقسام الخلايا أو بسبب عوامل خارجية مثل الإشعاع أو بعض المواد الكيميائية أو الفيروسات.
وفى الإنسان، قد تكون الطفرة موروثة من أحد الوالدين وتوجد فى كل خلايا الجسم منذ البداية، أو مكتسبة لاحقًا فى بعض خلايا الجسم فقط. وقد تكون الطفرة ضارة فتسبب مرضًا وراثيًا أو تزيد خطر السرطان، أو نافعة، أو محايدة لا يظهر لها أثر واضح. وينطبق الأمر ذاته، بطبيعة الحال، على بقية الحيوانات والنباتات، فالطفرة هى تغيير فى المادة الوراثية، لكن أثرها يختلف حسب الكائن والموضع الذى حدث فيه التغيير. وفى النباتات تحديدًا، يمكن أن تنتقل بعض الطفرات بسهولة أكبر إلى الأجيال التالية، مقارنة ببعض الحيوانات، لأن تكاثرها يختلف من حيث الخلايا والأجزاء القادرة على الوراثة.
والطفرات هى المصدر الأساسى للتنوع الوراثى بين الكائنات الحية، ولذلك لها دور كبير فى التطور والاختلافات بين الأفراد والأنواع. ومن دونها لا يظهر تنوع جينى جديد تقريبًا، وهو ما يجعلها مهمة جدًا فى علم الأحياء.
ملاحظة: كل الادعاءات والحملات الترويجية عن وجود عسل ينتج عن تناوله شفاء إعجازى، مبالغ فيها، وعلى هيئة الغذاء والتغذية التحرك لوقف هذا الاستغلال التجارى المضلل.
أحمد الصراف
جريدة القبس الكويتية