«الحكيم» عن زمنه وزماننا أيضًا!
إيهاب الملاح
آخر تحديث:
السبت 15 أغسطس 2026 - 6:10 م
بتوقيت القاهرة
(1)
من أشهى سياحات القراءة وأمتع الاستقصاءات الفكرية والثقافية والإبداعية، تلك التى لم تخطط لها أو تبحث عنها! تلك التى تقع بين يديك صدفة، أو تُلقى بها المقادير تحت عينيك من دون قصد أو عمد! فإذا اتفقنا على هذا الإطار العام ــ الذى أتصور أنه ينطبق على كثيرين ممن احترفوا الكتابة وأدمنوا القراءة ــ فإن الوقوع على مقال نادر أو فقرة لافتة أو أسطر معدودة هنا أو هناك.. قد يغير من اتجاهات تفكيرنا، ويصرفنا عن أشغالنا وجدول أعمالنا، ويجعلنا نتفرغ لها ولقراءتها بما حملته من كشف أو توصيف دقيق أو تشابه مثير مع انشغال راهن، خاصة إذا كان هذا النص يعود إلى عقود طويلة مضت!
حسنًا. يبدو أن توفيق الحكيم، الذى أستعيد ذكراه كل عام بالإشارة إلى جانب من جوانب إبداعه وتميزه، قد أراد أن يشاكسنا قليلًا، ويلفت انتباهنا إلى قدرته الفذة على الرصد والاستقصاء وقنص الظواهر الاجتماعية والثقافية والحياتية ببراعته المعهودة وذكائه الحاد وبساطته المغوية!
اكتشافى هذه المرة ليس لواحدة من مسرحياته العظام، ولا قصة قصيرة ولا رواية رائدة من رواياته التأسيسية، إنما «مقالات» نادرة نشرها فى واحدٍ من كتبه البعيدة التى كان يجمع بين دفتيها مقالاته الثرية المتنوعة، وما أكثر ما كتب الحكيم ونشر من مقالات!
(2)
من بين إبداعات الحكيم المهمة جدًا، والتى لم تلقَ ما تستحقه بعد من دراسة وقراءة وتأمل، إسهاماتُه البارزة فى كتابة المقال بكل أشكاله وأنواعه ومضامينه؛ الأدبى والفكرى، السياسى والاجتماعى، الفنى والهزلى والساخر… إلخ.
وقد كان الحكيم من أغزر كتاب جيله إسهامًا فى هذه الدائرة، وكان يُطلق عليه لسنوات طويلة «كاتب الشباب الأول»، وبلغة زمننا الآن فقد كان من ضمن الكتّاب الأعلى مبيعًا أو الأكثر رواجًا فى وقته.. ولهذا كانت مقالاته تُجمع وتُطبع وتُنشر دوريًا بين دفتى كتبٍ كانت تصدر عن سلاسل جماهيرية معروفة ومشهورة؛ مثل سلسلة «اقرأ» عن دار المعارف، و«كتاب الهلال» (عن دار الهلال)، و«كتاب اليوم» (عن مؤسسة أخبار اليوم)، و«الكتاب الذهبى» (عن مؤسسة روز اليوسف)، وغيرها.
من بين هذه الكتب، كتاب أظنه من أهم وأجمل كتب الحكيم «المقالية»، من حيث موضوعاته وقضاياه التى تناولها وعالجها بأسلوبه السهل الممتنع. هذا الكتاب عنوانه «قلت ذات يوم»، وقد صدر عن سلسلة «كتاب اليوم» التى كانت تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم فى سبعينيات القرن الماضى.
ضم الكتاب مقالات متفرقة نشرها الحكيم خلال الفترة (من 1939 وحتى 1949)، وأغلبها تلك التى كان يكتبها وينشرها فى جريدة «أخبار اليوم». وللأسف، فإن هذا الكتاب لم يُعَد طبعه بحال، ولم يصدر أبدًا فى أى طبعة تالية باسمه الذى ظهر به، وإن كنت أرجح أن ناشر كتب الحكيم الآن (دار الشروق) العريقة قد دمج مقالات هذا الكتاب ــ وغيره من المقالات الأخرى التى صدرت عن السلاسل الدورية ــ فى كتبه التى شُهرت بأسماء جامعة أخرى عن دار الشروق.
(3)
المهم، أعود إلى مقالات هذا الكتاب العجيب المدهش المتنوع، الذى صدر فى أغسطس 1970؛ أى منذ ستة وخمسين عامًا بالتمام والكمال، ورغم بُعده عنا بما يزيد على نصف القرن، فإننا نندهش ــ على الحقيقة ــ من معاصرة ما كتبه الحكيم فى ذلك التاريخ البعيد، وراهنيته، وجاذبيته أيضًا!
ونندهش من تلك القدرة «التحليلية» الفائقة على معالجة القضايا الفكرية والأدبية والسياسية التى كانت تضطرم بها الحياة الثقافية فى مصر، وتموج بها فى تلك الحقبة الخصبة من تاريخها المعاصر (ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضى).
لقد فاجأنى تمامًا أن أقرأ فى هذا الكتاب ثلاث مقالات عن قضية من أشهر قضايا حرية الرأى والبحث الجامعى فى أربعينيات القرن الماضى، وهى التى شُهرت بقضية «الفن القصصى فى القرآن». أقل ما توصف به هذه المقالات ــ التى لم أقرأ مثلها إحاطةً وتحليلًا ــ أنها رائعة وشاملة، وتقدم واحدة من أنضج وأرقى المعالجات لقضية حرية الفكر والتعبير، وحق الباحثين الجامعيين فى البحث والنقد وإبداء الرأى، حتى لو أدى اجتهادهم هذا إلى مخالفة الأعراف والخروج عن المستقر والمألوف.. فلنا أن نتفق أو نختلف، لكن من المهم احترام قيمة البحث، واحترام استقلالية الجامعة، واحترام وتقدير الجهد العلمى، أيًا ما كانت النتائج التى توصل إليها.
(4)
وتنوعت المقالات بعد ذلك تنوعًا لافتًا ومثيرًا للاهتمام؛ وإن لم تفارق دوائر اهتمام الحكيم المشهورة؛ من سجالات فى الرأى حول بعض القضايا الإنسانية، والتأملات الذاتية، والكفاح الوطنى والصراع العربى الإسرائيلى، وعن الأدب والمسرح والشباب والمرأة… إلخ.
المدهش هو هذه القدرة على التعبير عن اللحظة التى كتب فيها الحكيم انطباعه أو رأيه فى تلك القضية أو تلك، مع القدرة على التنبؤ والاستشراف والنظر إلى أبعد مما تحمله الكلمات بشأن الموضوع الذى يعالجه أو القضية التى يكتب عنها.. فكيف ذلك؟!
هذا ما سنعرفه من خلال استعراض بعض النماذج، فيما هو قادم بمشيئة الله.