فيزياء الكم التى تدخلنا فى عصر جديد تمامًا

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: السبت 15 أغسطس 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

 

أعلنت اليونسكو السنة الفائتة 2025 سنة دولية لعلوم فيزياء الكم (الكمومية) وتكنولوجياتها. لعله من الغريب (والمؤلم أيضًا) مرور هذا الإعلان فى بلادنا من دون كبير اهتمام. لكن هذا لا يعنى بأى حال الانتقاص من الأهمية الفائقة لهذا العلم الباهر الذى جاء ليغير فهم إنسان عصرنا الراهن للكون، وليفتح آفاقا جديدة رحبة وغير مسبوقة لتطور مفاهيم الفيزياء الحديثة، وإحراز إنجازات تكنولوجية تدخل البشرية فى عصر جديد تمامًا يختلف بالكامل عن كل ما هو معروف وشائع.

الفيزياء الكمومية - Quantum physics هى فرع جديد من الفيزياء يدرس سلوك المادة والطاقة على مستويات الذرات والأجسام الصغيرة (الجسيمات) دون الذرية مثل الإلكترونات والفوتونات مما هو كائن فى عالمنا، إنما تحكمه قوانين غريبة علينا ومختلفة جذريًا عن سلوك المادة الذى عرفناه فى الأجسام الكبيرة.

تلك الأفكار، التى قد تبدو أقرب إلى الخيال، أصبحت اليوم الأساس الذى ترتكز عليه التكنولوجيا الحديثة بكل إنجازاتها المدهشة وابتكاراتها، وأصبحت قاعدة لمجمل البناء التكنولوجى الحديث. لذا تعتبر هذه الفيزياء بوابة العالم غير المرئى، أما تسميتها بميكانيكا الكم فيعود إلى أهمية مفهوم الكم فى بنائها.

كلمة «كم Quantum» مصطلح فيزيائى جديد يستخدم لوصف أصغر كمية من الطاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات. وهى كتعبير تعنى «حزمة» أو «كمية صغيرة محددة»، تشير إلى فكرة أساسية مفادها أن الطاقة لا تمتص ولا تشع بشكل متواصل، بل تكون على دفعات صغيرة منفصلة ومتتابعة. والمعنى أنها تنتقل فى هيئة «كم»، أى وحدات متناهية الصغر. فالشحنة الكهربائية على سبيل المثال، هى أيضًا كمومية، وأصغر وحدة منها هى الشحنة الأولية أى شحنة الإلكترون.


البدايات

نشأ الاهتمام بهذه الأجسام الصغيرة (مما لا يمكن مشاهدته إلا عبر الميكروسكوب) مع بدايات القرن الماضى. وسار هذا العلم بخطوات وئيدة على أنقاض المعارف الفيزيائية التقليدية، ثم تجلى كنظرية علمية يكتنفها الكثير من الغموض.

حتى مطلع القرن العشرين، كان الاعتقاد السائد فى الأوساط العلمية أن الفيزياء الكلاسيكية قادرة على تفسير مختلف ظواهر المادة وتفاعلها. لكن التجارب الحديثة بدأت تظهر تهافتا فى هذا البناء المتماسك بعد دراستها للمكونات متناهية الصغر. كذلك فشلت القوانين الكلاسيكية فى تفسير كيفية إصدار الأجسام الساخنة للضوء. وانتبه الباحثون إلى أن بعض المسائل التى يدرسونها، مثل تبادل الطاقة بين الأجسام الصغيرة، تبدو غير مفهومة وغير قابلة للتفسير بواسطة الفيزياء الكلاسيكية. لذا كان لا بد من البحث عن أجوبة وحلول مبتكرة خارج النظريات العلمية التقليدية المعتمدة التى كان وضعها كبار العلماء فى مبحث العلوم مثل نيوتن وغاليلى وماكسويل وغيرهم. وبفضل الأبحاث الجادة المتواصلة ظهرت معالم الفيزياء الجديدة التى راحت تتطور إلى أن أصبحت اليوم الأساس المتين لأهم التطبيقات العلمية الحديثة التى نستخدمها فى حياتنا اليومية.

النقطة الجوهرية جاء بها عالم الفيزياء الألمانى «ماكس بلانك» - الأب الشرعى للكمومية، وهو أول من توصل لاكتشاف رائد مفاده أن طاقة الموجات الضوئية التى تصدرها الأجسام عموما، تتكون، عكس التصور التقليدى، من حزم متناهية الصغر من الطاقة غير المتصلة سماها «الكوانتا» أو الكم. هذه هى الفكرة الأساس التى انبثقت منها وقامت عليها الفيزياء الجديدة. فى مرحلة لاحقة بعد «بلانك» جاء مبدأ عدم اليقين لـ«فيرنر هايزنبرج» ليضع حدا أنطولوجيا لا إبستمولوجيا فحسب للمفهوم، إذ تبين أن عدم قدرتنا على معرفة موضع الجسم وسرعته معًا، ليس مجرد قصور فى أدوات القياس، بل هو خاصية جوهرية فى نسيج الواقع ذاته.

بعد «بلانك» قام علماء آخرون بتطوير نظرية الكم، أولهم كان عالم الفيزياء الشهير «ألبرت آينشتاين»؛ ثم عمدت مجموعة من العلماء، من بينهم النمساوى أروين شرودنجر والألمانى فيرنر هايزنبرج والبريطاى بول ديراك إلى تقديم إسهامات بارزة أدت إلى وضع الأسس العملية لفيزياء الكم.. بذلك وضعت القواعد المألوفة جانبا، وبرزت فيزياء جديدة، غريبة، مدهشة ومربكة فى آن واحد هى فيزياء الكم أو الكمومية.


كيف نفهم الكمومية؟

لكى نفهم أهمية فيزياء الكم والثورة العلمية التى أحدثتها، يتعين أولا تحديد أهم القوانين المكتشفة والغريبة التى تحكم هذا العلم.

أول ميزات فيزياء الكم هو فى رفضها للحتمية المطلقة (مبدأ عدم اليقين الذى وضعه هايزنبرغ) التى سيطرت على الفكر العلمى منذ عصر التنوير. فبينما كان "لابلاس" يتصور كونا يمكن التنبؤ بكل تفاصيله إذا عرفنا موضع وسرعة كل جسم فيه، تبين أنه فى عالم الأجسام المجهرية "الجسيمات"، لا تتصرف مكوناتها أى الإلكترونات والفوتونات، وفق منطق نيوتن الكلاسيكى، بل وفق قوانين أخرى أكثر دقة وتفصيلا، وتكون احتمالية وليست حتمية عموما. ثم إنه لا يوجد فصل بين "الجسيم" والموجة التى يسببها، بحيث يمكن لـ "الجسيم" أن يكون هو ذاته "موجة"، فتكون له خاصيتان اثنتان هما الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية، ويمكنه كذلك أن يرتبط بجسيم آخر مهما كانت المسافة بينهما. قد يبدو كل ذلك نظريا ومجردا، لكن الحقيقة أن حياتنا الحديثة قائمة إلى حد كبير على تطبيقات كمومية.

أما أبرز المبادئ الأساسية التى قامت عليها فكانت أربعة هي: ازدواجية الموجة والجسيم، مبدأ الاحتمالية أو عدم اليقين، التراكب الكمى والتشابك الكمى.


خطأ آينشتاين

اعتبر البعض أن «آينشتاين» هو الأب غير المعلن للثورة الكمومية، على الرغم من أن اسمه ارتبط أكثر بالنظرية النسبية. فهو اقترح أن الضوء ليس موجة فقط، بل يتكون من "فوتونات" تحمل كميات محددة ومتلاحقة من الطاقة. هنا راجت تساؤلات كثيرة فى الأوساط العلمية حول جدوى النظرية الكمومية وفائدتها، فاعتبرها أكثر من باحث مسألة غير سليمة ونوعًا من الترف الفكرى. ولم يلبث «آينشتاين» نفسه أن عارض الكمومية التى كان أيدها، رافضا مبدأ الشك وعدم الحتمية الذى تفرضه النظرية على المستوى الذرى، معتبرًا أن الكون محكوم بقوانين صارمة وليس مصادفة، إلا أن هذا الموقف المتشكك لم يصمد طويلًا، حيث أثبت تطور الأبحاث والتجارب واقعية النظرية وجدواها، وأن هذا العلم ليس مجرد فرع من علوم الفيزياء النظرية، وأنه يقوم على نظرية سليمة تضىء على إحدى أعمق ظواهر الكون وأكثرها إدهاشًا، وتشكل بالتالى محورًا استراتيجيًا قائمًا بذاته يعيد تشكيل مستقبل البشرية.

إنجازات الكمومية

الواقع أن حياتنا اليوم تقوم إلى حد كبير على تطبيقات كمومية بعيدة كل البعد عن حدود الفيزياء النيوتنية. والفوائد العملية التى حققتها كثيرة وبالغة الأهمية يمكن إجمالها كما يلي:

فسرت سلوك الإلكترونات داخل الذرات والمواد، ما سمح بابتكار الإلكترونيات الحديثة واختراع الرقاقات التى تعد قلب كل جهاز رقمى اليوم، ما لم يكن ممكنا بناؤه من دونها.

أتاحت ابتكار وتطوير التقنيات الطبية الحديثة والمتقدمة مثل التصوير بالرنين المغناطيسى والتصوير النووى، سواء فى الجراحة أم التصوير الطبى المتقدم، كما أدت إلى اكتشاف أدوية جديدة لم تكن موجودة من قبل.

فتحت الباب أمام هندسة المواد الجديدة، من النانوتكنولوجيا إلى الموصلات الفائقة.

أتاحت تصميم الحواسيب والهواتف والروبوتات والذكاء الاصطناعى.. بناء على فهم كمى دقيق لكيفية حركة الإلكترونات داخل أشباه الموصلات. ومن دون هذه المعرفة، ما كانت لتوجد الثورات الرقمية التى استبدلت الورق بالشاشات، وبسطت سيطرة الإنسان على المعلومات.


بنت فرصة عملية لتحسين أنظمة التشفير وكذلك لكسرها.

أتاحت التوصل لابتكار أشعة الليزر وتكنولوجيا الفوتونات، وتطوير الاتصالات السريعة عبر الألياف الضوئية، وكانت وراء تكنولوجيا الأقمار الصناعية فى قفزتها الراهنة. إلى ذلك، ولعل من أكثر تطبيقاتها إثارة، ما صار يعرف بالاتصالات الكمومية. فالتشابك الكمى أتاح بناء شبكات اتصال يستحيل اختراقها تقريبا، لأن محاولة التجسس عليها أو اختراقها تغير الحالة الكمية وتكشف الأمر فورا. وبات معروفا اليوم أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية تسابقان الزمن لبناء «إنترنت كمومى» آمن بالكامل، ويفسر كذلك جذور الخلاف الأمريكى - الصينى على تايوان التى هى أكبر منتج عالمى للرقاقات الحديثة.

على مستوى آخر، فتحت الكمومية الباب للعمل على بناء الحاسوب الكمومى الذى يعتبر فى طليعة أهم ما ينتظر البشرية فى علم الحواسيب الحديثة، وسيسمح بإجراء عدد هائل من العمليات فى الوقت ذاته. من هنا يعتبر المختصون أن العالم يقف اليوم على عتبة «ثورة كمومية ثانية»، على أساس أن هذه التكنولوجيا المبنية على مبادئ الكم تتجه نحو أجهزة أصغر، أسرع، وأكثر ذكاء.

لذا فالكمومية ليست مجرد نظرية علمية بقدر ما هى ثورة مستمرة من المتوقع أن تقود الإنسان نحو عصر جديد من المعرفة والتفوق التقنى، وتفتح أمامه آفاقا لا تزال مخفية فى أعماق الذرة وأسرار الكون.


محمود بري 

مؤسسة الفكر العربى


النص الأصلى: 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved