إقرار الذكاء الاصطناعى

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربه

آخر تحديث: السبت 15 أغسطس 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

 

اعتدنا أن نسمع عن إقرار الذمة المالية، الذى يعلن فيه الشخص ما يملكه حمايةً له وللمجتمع من تضارب المصالح أو الشبهات. وربما حان الوقت، مع فارق التشبيه بالتأكيد، لأن نتحدث عن نوع آخر من الإقرارات، وهو «إقرار الذكاء الاصطناعى». ولا أحب هنا استخدام كلمة «الاعتراف» باستخدام الذكاء الاصطناعى، لأن الاعتراف يكون عادةً بفعل نخجل منه أو جريمة ارتكبناها. واستخدام الذكاء الاصطناعى ليس جريمة. ربما المطلوب ببساطة أن نتحلى بشىء من الصراحة، وأن نقول متى استخدمناه، وكيف استخدمناه، وأين توقف دوره وبدأ دورنا؟

• • •

فالذكاء الاصطناعى أصبح جزءًا من حياتنا، وسيصبح أكثر حضورًا فيها، سواء أحببنا ذلك أم لم نحبه. وفى المجتمع الأكاديمى والبحثى تحديدًا، تجاوز النقاش إلى حد كبير السؤال القديم: هل نستخدم الذكاء الاصطناعى أم لا؟ وأصبح السؤال الأكثر أهمية هو: فى ماذا نستخدمه؟ وما الحدود المقبولة لهذا الاستخدام؟

تشير الدراسات الحديثة بالفعل إلى أن المؤسسات البحثية أصبحت أكثر تقبلًا لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى مهام متعددة. ففى دراسة للباحث ينس بيتر أندرسن وزملائه، نُشرت عام ٢٠٢٥ فى دورية Technology in Society، وشملت ٢٥٣٤ باحثًا ودارسًا للدكتوراه فى الجامعات الدنماركية، جرى تقييم ٣٢ استخدامًا مختلفًا للذكاء الاصطناعى خلال مراحل العملية البحثية. وأظهرت النتائج اختلافًا واضحًا بين الاستخدامات التى يُنظر إليها باعتبارها مساعدةً للباحث، وتلك التى يمكن أن تبدأ فى الحلول محله. فتحرير اللغة والترجمة وبعض مهام التنظيم والتحليل تحظى بقبول أكبر، بينما تصبح المسألة أكثر خلافًا عندما نقترب من تصميم البحث نفسه، أو التعامل مع البيانات وتحليلها بصورة قد تستبدل الحكم البشرى، أو كتابة أجزاء جوهرية من العمل، أو تقييم أعمال علمية نيابةً عن الباحث.

وهناك دراسة أخرى مهمة حملت اسم ExplanAItions، وأجرتها دار النشر الأكاديمية Wiley، وشملت فى مرحلتها الرئيسية ٤٩٤٦ باحثًا من تخصصات ومناطق جغرافية مختلفة، ودرست ٤٣ استخدامًا محتملًا للذكاء الاصطناعى فى العملية البحثية. وقد نشرت Wiley نتائجها فى فبراير ٢٠٢٥، كما ناقشتها مجلة Nature فى العام نفسه. والمثير أن الباحثين لم ينظروا إلى الذكاء الاصطناعى باعتباره ظاهرةً عابرةً، بل توقع كثير منهم توسع استخدامه بسرعة فى إعداد المخطوطات العلمية، وطلبات التمويل، وبعض جوانب العملية البحثية. وفى الوقت نفسه، أظهر الاستطلاع بوضوح أن غياب القواعد الواضحة والتدريب ما زال يمثل عائقًا أمام استخدام أكثر مسئوليةً لهذه الأدوات.

• • •

الحقيقة أن الممارسة سبقت أحيانًا النقاش الأخلاقى حولها. فالباحثون يستخدمون الذكاء الاصطناعى اليوم فى مراجعة اللغة، وتحسين الصياغة، والترجمة، والبحث الأولى عن المصادر، وتنظيم المعلومات، وتنسيق المراجع، وإجراء بعض أشكال تحليل المضمون والخطاب والنصوص. ويمكن للباحث أيضًا أن يستخدمه فى بناء نماذج محاكاة نقدية لورقته، فيطلب منه مثلًا أن يقرأها من زاوية محكّم متخصص فى النظرية، ثم من زاوية آخر متخصص فى المناهج، لا لكى يحل محل المحكّم العلمى الحقيقى، ولكن لكى يساعد الباحث نفسه على اكتشاف نقاط ضعف ربما لم ينتبه إليها.

وهنا تحديدًا يجب التمييز بين «المساعدة» وبين «الاستبدال». فهناك استخدامات أصبحت مقبولةً إلى حد كبير، وهناك استخدامات أخرى ما زالت موضع خلاف واسع. ومن أمثلة الأخيرة أن يتولى الذكاء الاصطناعى تصميم البحث نفسه، أو أن يكتب التحليل بدلًا من الباحث، أو أن يتخذ قرارات تفسيرية جوهرية فى تحليل البيانات، أو أن يحكم على ورقة علمية كاملة بدلًا من المحكّم البشرى. ولهذا تضع بعض دور النشر قيودًا صارمةً على إدخال أوراق علمية غير منشورة إلى برامج الذكاء الاصطناعى بسبب قواعد السرية، كما تؤكد أن الحكم النهائى فى التحكيم يجب أن يظل حكمًا بشريًا.

ولا أرى فى شىء من ذلك عيبًا، بشرطين: الشفافية، والمسئولية. فمن يستخدم الذكاء الاصطناعى للتأكد من رقم يظل مسئولًا عن صحة هذا الرقم. ومن يستخدمه للعثور على مصدر يظل مسئولًا عن قراءة المصدر والتأكد من وجوده ومضمونه. ومن يستخدمه لتحسين اللغة يظل مسئولًا عن النص المنشور باسمه. فالذكاء الاصطناعى، كما يعرف كل من يستخدمه بكثافة، يمكن أن يكون مذهلًا فى قدراته، ويمكن فى اللحظة التالية أن يقدم لك معلومةً خاطئةً بثقة لا تقل عن ثقته فى المعلومة الصحيحة.

• • •

هنا أيضًا أعتقد أننا نحتاج إلى إعادة التفكير فى الطريقة التى نتعامل بها مع طلابنا فى الجامعات. فالقول للطالب ببساطة: «ممنوع استخدام الذكاء الاصطناعى» لن يكون سياسةً تعليميةً قابلةً للاستمرار طويلًا. الأفضل أن نعلمه كيف يستخدمه، وأن نطالبه بأن يقول بوضوح أين استخدمه. فإذا استخدمه لمراجعة لغة ورقة كتبها بنفسه، أو للبحث الأولى عن مصادر ثم عاد إليها وقرأها، أو لتنظيم قائمة مراجع، أو لاختبار قوة حجة كتبها هو، فلا أرى سببًا لكى يُعامل هذا باعتباره غشًا أكاديميًا. أما أن يطلب منه كتابة الورقة أو بناء التحليل أو الإجابة عن السؤال بالنيابة عنه ثم يضع الطالب اسمه فوق الناتج، فهنا نكون أمام مخالفة واضحة.

ولهذا بدأت دور النشر والمجلات العلمية الكبرى تتعامل مع المسألة بقدر أكبر من الواقعية. لم تعد القضية هى الادعاء بأن الباحث لم يقترب من الذكاء الاصطناعى، وإنما أصبحت المؤسسات تطور قواعد للإفصاح عنه وتحديد الاستخدام المقبول وغير المقبول. وقد نشرت مجلة Nature فى مايو ٢٠٢٥ استطلاعًا شمل نحو ٥٠٠٠ باحث، كشف عن انقسام حقيقى حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى كتابة الأوراق العلمية، ولكنه أظهر أيضًا أن سؤال الإفصاح أصبح مركزيًا: متى ينبغى أن نقول إن الذكاء الاصطناعى تدخل؟ وبأى صورة؟

تبقى عندى، مع ذلك، منطقة فاصلة شديدة الأهمية: هل يجوز أن أطلب من الذكاء الاصطناعى أن يكتب بالنيابة عنى؟

إجابتى، حتى هذه اللحظة، هى: لا.

ليس لأن النص الذى ينتجه الذكاء الاصطناعى سيكون بالضرورة سيئًا. العكس صحيح، فقد ينتج أحيانًا نصًا أفضل لغويًا من نصوص يكتبها بشر. ولكن المشكلة بالنسبة لى ليست فى جودة اللغة. المشكلة فى الملكية الفكرية والإبداعية للنص. فإذا لم تكن الفكرة فكرتك، ولم يكن التحليل تحليلك، ولم تكن بنية الحجة نابعةً من تفكيرك، فما الذى يجعل المقال مقالك لمجرد أنك وضعت اسمك عليه؟ هذا يتساوى مع أنك قمت باستخدام كاتب من الباطن ببساطة! الجزء الإبداعى، إن لم يكن منك، فهو ليس لك!

وقد تتغير هذه الحدود مستقبلًا. وربما يأتى جيل يرى مفهوم التأليف نفسه بطريقة مختلفة تمامًا. فالحدود بين الإنسان والآلة تتحرك بسرعة، وما يبدو اليوم مستهجنًا قد يصبح بعد سنوات ممارسة عادية. ولكننا لم نصل إلى ذلك بعد، وأنا شخصيًا لا أرى أن من حق الكاتب أو الباحث الآن أن يسلم الجزء الإبداعى الأساسى إلى الآلة ثم يقدم الناتج إلى الناس باعتباره تعبيرًا خالصًا عنه.

• • •

الحقيقة أننا إذا نظرنا حولنا، مصريًا وعربيًا وعالميًا، سنجد أن آثار استخدام الذكاء الاصطناعى أصبحت واضحةً فى كثير مما نقرأه. أحيانًا تظهر فى العناوين، وأحيانًا فى البناء، وأحيانًا فى لغة شديدة الانتظام، مصقولة أكثر مما ينبغى، متشابهة الإيقاع، ويمكن لمن اعتاد التعامل مع هذه البرامج أن يشك فى مصدرها بسهولة. ويستخدمه اليوم كتاب وباحثون وأكاديميون ودبلوماسيون وغيرهم، سواء أعلنوا ذلك أم لم يعلنوه. ولا أعتقد أن الحل هو أن ندخل جميعًا فى لعبة بوليسية سخيفة يحاول فيها كل منا أن يثبت أن الآخر استخدم الذكاء الاصطناعى. الحل الأبسط والأكثر احترامًا للجميع هو الإفصاح.

ولذلك أبدأ بنفسى.

هذا هو «إقرار الذكاء الاصطناعى» الخاص بى: أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعى حاليًا فى مراجعة اللغة العربية والإنجليزية، والبحث عن المصادر، والتدقيق فى بعض المصادر، والتحقق الأولى من بعض المعلومات والأرقام والإحصاءات، والمساعدة فى تنظيم وتنسيق المراجع. وأستخدمها فى عملى الأكاديمى والتدريسى للمساعدة فى إعداد بعض الرسومات والجداول والمواد التعليمية، وأستخدمها أحيانًا فى بناء محاكاة نقدية تساعدنى على اختبار حجج أوراقى البحثية واكتشاف ما قد يكون فيها من ثغرات. وأراجع ما تقدمه هذه الأدوات، وأتحمل أنا مسئولية ما أستخدمه منها.

أما الأفكار، وبنية المقال، والحجة التى أحاول تقديمها، والمواقف والآراء التى تحمل اسمى، وكذلك كتابة الفقرات الأساسية التى تعبر عن هذه الأفكار، فهذه تظل لى. وهذا بالنسبة لى هو الخط الفاصل الذى لا أريد تجاوزه.

وأتمنى أن يصبح مثل هذا الإقرار أمرًا طبيعيًا، لا مناسبةً للدفاع عن النفس. أن يقول كل كاتب وباحث وطالب ومثقف ببساطة كيف استخدم الذكاء الاصطناعى. لقد بدأت المؤسسات الأكاديمية ودور النشر فى أجزاء واسعة من العالم تتحرك بجرأة أكبر نحو هذا النوع من الصراحة والشفافية.

أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved