أصداء الاتفاق الليبى على إجراء الانتخابات

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

 

توصلت قيادات ليبية فاعلة وذات تأثير عرفت باسم ٤+٤، وهى غير اللجنة العسكرية السابق تشكيلها لتوحيد القوات المسلحة الليبية بذات الاسم، إلى اتفاق على ترتيبات لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى نفس الوقت بعد ٢٤ شهرًا من تاريخ توقيع الاتفاق فى ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم فى ليبيا. وتتمثل الأطراف الأربعة التى وقّعت على الاتفاق من حكومة الوحدة الوطنية فى طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومجلس النواب ومقره فى بنغازى، والمجلس الأعلى للدولة فى طرابلس، والقيادة العامة للقوات المسلحة فى شرق ليبيا (الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر).   

ويلاحظ أن الاتفاق قد تم بين قوى الأمر الواقع فى ليبيا، كما أنه متوافق مع المبادرة الأمريكية التى سبق أن طرحها كبير مستشارى الرئيس ترامب للشئون العربية والإفريقية مسعد بولس، والقائمة على دمج أبرز فرقاء المشهد السياسى فى ليبيا فى سلطة تنفيذية واحدة تحظى بالشرعية الدولية. وقد تضمن اتفاق ٤+٤ الليبى إدخال تعديلات على الأطر الانتخابية بما فى ذلك ترتيبات لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة، وإلزام جميع الأطراف بإجراء الانتخابات فى غضون فترة لا تتجاوز ٢٤ شهرًا، وترتيبات لمصادقة كل من مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة على الاتفاق فى فترة لا تتجاوز شهرًا من تاريخ توقيع الاتفاق، وإنشاء آلية متابعة لدعم تنفيذه. وإذا لم يلتزم مجلس النواب والدولة بالموافقة على الاتفاق خلال شهر، فثمة مسار بديل لاعتماد الاتفاق بدعم دولى. كما ينص الاتفاق على إعادة تشكيل المجلس التنفيذى للهيئة العليا للانتخابات الليبية، وحل القضايا العالقة فى الإطار الدستورى والقانونى للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وقد رحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بالاتفاق واعتبره خطوة مهمة تؤدى إلى إنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات، وأن يكون القرار للشعب الليبى عبر انتخابات تنهى الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية. ويعد الدبيبة من الرابحين من الاتفاق، لأنه مرشح للاستمرار فى رئاسة الحكومة الموحدة الجديدة التى ستشرف على المرحلة الانتقالية وعلى إجراء الانتخابات. كما يفتح أمامه الطريق لترشحه لانتخابات الرئاسة. 

 وقد وصف المشير خليفة حفتر الاتفاق بأنه يمثل تقدمًا فى معالجة قضايا تعثرت لسنوات، مؤكدًا إلتزامه بالعمل من أجل توحيد ليبيا. ويعد حفتر وأسرته من الرابحين من الاتفاق؛ حيث سيشغل أحد أبنائه منصبًا سياديًا، كما أن قواعد الترشح للانتخابات الرئاسية أصبحت تسمح للعسكريين بالترشح بشرط إذا فازوا فى الانتخابات يستقيلوا من مناصبهم العسكرية، كما تسمح لمزدوجى الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية بشرط إذا فازوا يتخلون عن جنسيتهم الأجنبية. ولم يكن مسموحًا بذلك فى الانتخابات التى كان مقررًا إجراؤها فى ديسمبر ٢٠٢١، الأمر الذى أدى إلى إعاقة إجرائها. كما أن الانتخابات البرلمانية ستكون فردية على أن تتولى الأحزاب والهيئات السياسية اختيار مرشحيها

• • •

يلاحظ أن الاتفاق لم يتضمن توحيد المؤسسة العسكرية فى ليبيا التى تعانى انقسامًا عسكريًا وأمنيًا مزمنًا. ويعد التوصل إلى توحيد المؤسسة العسكرية من المكاسب الرئيسية إذا تحقق، وقد يؤدى إلى استقرار نسبى. وإن وجود ميليشيات مسلحة سواء كانت ليبية أو أجنبية، ووجود مرتزقة يزيد الأوضاع العسكرية والأمنية تعقيدًا، خاصة إذا لجأت بعض الأطراف المعارضة للاتفاق للاستعانة بهذه الميليشيات لتعطيل تنفيذ الاتفاق، وهو الأمر الذى يتطلب تدخلًا أمريكيًا قويًا وفعالًا، إذا توفرت الرغبة والإرادة الأمريكية لذلك. 

ويضع الاتفاق نفوذ شخصيات ومؤسسات ليبية على المحك ويأتى فى مقدمتها رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، على ضوء إعادة تشكيل المفوضية، ورؤساء عدد من المؤسسات السيادية ومنها الرقابة الإدارية، وديوان المحاسبة، وجهاز المخابرات. كما يمتد إلى محمد المنفى رئيس المجلس الرئاسى، والمرشح لأن يحل محله صدام حفتر (نجل المشير حفتر)، وكذلك نائبى المنفى، وأن عليهم الاستعداد لمغادرة الساحة السياسية، وأسامة حماد رئيس حكومة شرق ليبيا غير المعترف بها دوليًا، وذلك عند تشكيل حكومة الوحدة الجديدة، وترشح التسريبات أن يكون بلقاسم حفتر (نجل المشير حفتر) نائبًا لرئيس الحكومة الجديدة. وبهذا يكتسب الجيش الوطنى بقيادة المشير حفتر دورا سياسيًا مهمًا ومعترف به دوليًا. كما يُتوقع تراجع نفوذ التيار السياسى الإسلامى المحسوب على المفتى الليبى السابق الصادق الغرياني، والذى كان يعد من الداعمين لعبد الحميد الدبيبة، والذى طالما وجه انتقادات حادة للجيش الوطنى الليبى بقيادة حفتر، وقد أعلن رفضه للاتفاق ومخرجاته.

• • •

وقد تفاوتت مواقف وردود الأفعال الليبية تجاه الاتفاق، فبينما يرى البعض أن الاتفاق خلاصة عمل قادة ليبيين قدموا تنازلات مشتركة، وإن كانت لا تمثل الحل النهائى، لكنها تمكن الليبيين من الوصول إلى الحل المنشود من خلال الانتخابات، وأنه لا سبيل لتوحيد المؤسسات الليبية إلا عن طريق صندوق الانتخابات. ووجهت عدة انتقادات للاتفاق، منها أن إجراء الانتخابات بعد عامين تعد فترة انتقالية طويلة، قد تفيد فى تحقيق مزيد من التوافق واندماج المؤسسات السيادية وأطراف الاتفاق، إلا أنها من ناحية أخرى تبقى استمرار نفس القيادات السياسية والعسكرية التى كانت هى نفسها من بين أسباب عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حتى الآن، وعدم قدرتها على حل أزمات نقص الوقود وكثرة انقطاع التيار الكهربائى، ونقص السيولة النقدية. وقد تعيد نفس القيادات الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وأعلن التجمع الوطنى للأحزاب الليبية من أمام مقر بعثة الأمم المتحدة فى طرابلس، أثناء توقيع الاتفاق، رفض ما وصفه بتهميش الأحزاب فى أى تسوية سياسية مقبلة. وكان نحو ٧٩ حزبًا سياسيًا قد أعلنوا رفض أى صيغة تقصى الأحزاب من العملية الانتخابية، وتحصر مشاركتها فى ترشيح أعضائها بصورة فردية، مطالبين بالتمسك بالقانون رقم ١٧ لسنة ٢٠٢٣ وتطويره بما يعزز مشاركة الأحزاب السياسية، وأن إعادة العمل بالقانون رقم ١٠ لسنة ٢٠١٤، والذى يطرح اختيار النظام الفردى فى الانتخابات التشريعية، فى مقابل مطالب حزبيّة بالاعتماد على القوائم الذى يتيح للأحزاب حضورًا مباشرًا، والقانون ٢٧ لسنة ٢٠٢٣ الذى يقر نظامًا مختلطًا بين القوائم والفردى لمجلس النواب، بينما يكون مجلس الشيوخ بالترشح الفردي. وترى الأحزاب أن الترشيح بالقوائم يتيح لها تقديم برامجها كجهات سياسية، بينما يكون مجلس الشيوخ بالترشح الفردي. وترى الأحزاب أن الترشح بالقوائم يتيح لها تقديم برامجها كهيئات سياسية، بينما الترشح الفردى يعتمد على شخص المرشح رغم دعمه من حزبه. وقد ينتج النظام الفردى تمثيلا مباشرا للمناطق والشخصيات المحلية، لكنه قد ينتج برلمانا أكثر تشتيتًا وأقل ارتباطًا بالبرامج الحزبية. ويرى آخرون أن النظام الفردى هو الأنسب للمجتمع الليبى ويحد من هيمنة أحزاب قد لا تكون لها قواعد شعبية راسخة، وأن كثيرا من الأحزاب السياسية تعانى هشاشة مؤسسية وضعفًا فى الانتشار المجتمعى وعدم انتظام فى الهياكل الداخلية، ومحدودية البرامج السياسية، وأن مجرد إصدار الأحزاب بيانات لا يعنى أن لها وجودًا قويًا.

وقد انتقد محمد المنفى، رئيس المجلس الرئاسى الليبى، ما وصفه بالغموض الذى أحاط ببعض التفاهمات التى ترعاها بعثة الأمم المتحدة فى ليبيا، وأكد أن أى ترتيبات للمؤسسات السيادية ومنها مفوضية الانتخابات يجب ألا تقوم على أمر واقع واختصاصات ملتبسة لا تصمد أمام القانون. وموقف محمد المنفى كان متوقعًا حيث لم يتم إشراكه فى مشاورات التوصل للاتفاق، كما أن المنفى من أوائل المرشحين للخروج من السلطة وهو ليس له قاعدة شعبية يستند إليها كما أنه حرص منذ توليه رئاسة المجلس الرئاسى الليبى على أن يمسك العصا من المنتصف، إلى جانب احتدام الصراع السياسى بينه ورئيس حكومة الوحيدة عبدالحميد الدبيبة، ولم يحقق المنفى إنجازًا فى المصالحة الوطنية الليبية وقد يعول على التشكيلات المسلحة فى غرب ليبيا الرافضة للاتفاق والقادرة على عرقلة تنفيذه، إن لم يردعها الموقف الأمريكى.

 أما الدبيبة فإن انتماءه لمدينة مصراتة بما تتمتع به من ثقل عسكرى وفر له منذ البداية سندًا مع كتائب مسلحة، وقدرة على تحريك القوات، وتوظيف الموارد المالية، وكلها أدوات نفوذ لا تتوفر للمنفى. كما أن فرص صدام حفتر لرئاسة المجلس الرئاسى أقوى من بقاء المنفى فى نفس المنصب.

كما أن دمج شخصيات من معسكر المشير خليفة حفتر فى أى تسوية سياسية لا يزال مرفوضًا من أطراف فى بعض المدن الليبية المهمة مثل مصراتة وطرابلس، حيث تستمر حالة الانقسام السياسى والمجتمعي. وتحدى آخر يتمثل فى دمج مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة،  فى صيغة موحدة، كما أن أى انتقال للمقار السياسية إلى طرابلس قد يواجه بعض العقبات فى ظل استمرار الانقسام. وكذلك وجود كيانات عسكرية، واقتصادية تراكم نفوذها خلال سنوات الانقسام، قد ترى فى إعادة توحيد السلطة تهديدًا لمصالحه.

• • •

وقد حدث تطور جديد بعقد اجتماع بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، فى تركيا واتفقا على إعادة إحياء المباحثات بين المجلسين بشأن المتطلبات القانونية لإجراء الانتخابات، الأمر الذى يعد ابتعادا عن اتفاق ٤ +٤ الذى حولته لهما بعثة الأمم المتحدة لاعتماده كحد أقصى فى نهاية شهر سبتمبر ٢٠٢٦، ودخولهما مرة أخرى فى مراوغات سياسية وقانونية لإدراكها أنهما لا مكان لهما فى الترتيبات الجديدة التى ستترتب على اتفاق ٤+٤. الأمر الذى قد يمثل عقبة أخرى أمام تنفيذ الاتفاق.

وقد يمثل الاتفاق خطوة مهمة على طريق التوصل لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإخراج ليبيا من دائرة الصراع والانقسام، لأنه لأول مرة يتم التوصل إلى اتفاق بين القوى السياسية والعسكرية والبرلمانية الفاعلة فى ليبيا بحكم الأمر الواقع. كما يلقى الاتفاق تأييدًا وترحيبًا إقليميًا ودوليًا قد يساعد فى دعمه والعمل على تنفيذه. ولكن الطريق إلى إكمال تنفيذه طويل ومليء بحواجز وعقبات عديدة تحتاج إلى جهود ومثابرة مستمرة ومكثفة من أطراف الاتفاق والقوى الداعمة لها، حتى لا يكون مصيره الفشل كالاتفاقات الليبية السابقة.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved