الانتخابات الإسرائيلية.. تغيير الحكومة لا يعنى بالضرورة تغيير السياسة

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 6:17 م بتوقيت القاهرة

 الانتخابات تحسمها القضايا الداخلية، والعلاقة مع واشنطن هى العامل الخارجى الوحيد الحاضر فيها

تجرى إسرائيل فى 27 أكتوبر المقبل انتخابات عامة قد تكون من أهم انتخاباتها فى السنوات الأخيرة، ليس فقط لاحتمال خروج بنيامين نتنياهو من رئاسة الحكومة أو صعود رئيس الأركان السابق جادى أيزنكوت كمنافس رئيسى له، وإنما لأن نتيجتها ستجيب عن سؤال أبسط وأعمق: هل تستطيع إسرائيل، بعد سنوات من الانقسام، أن تنتج حكومة قادرة على الحكم؟ وحتى لو تغيرت الحكومة، فذلك لا يعنى بالضرورة أن السياسة تجاه الفلسطينيين ستتغير معها، وهو ما سنعود إليه فى نهاية هذا المقال.

• • •

والمفارقة أن إسرائيل تخوض حربًا وتعيش وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، ومع ذلك فإن المنافسة الانتخابية نفسها تحسمها فى الأساس قضايا داخلية: التجنيد العسكرى وتوزيع أعباء الدولة، تكلفة المعيشة والسكن، المسئولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، والثقة فى من يستطيع توفير قيادة أكثر استقرارًا وأمنًا. فأيزنكوت يتقدم فى عدد من استطلاعات الرأى بحوالى 24 إلى 25 مقعدًا مقابل نحو 20 إلى 23 مقعدًا لليكود، لكن الفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يعنى تشكيل الحكومة. فالكنيست يضم 120 مقعدًا، وتحتاج أى حكومة إلى دعم 61 نائبًا على الأقل، وتشير الاستطلاعات إلى استمرار حالة من التعادل بين الكتل الرئيسية، وهنا بالتحديد تبدأ المعادلة تتعقد.

فالقضية الأكثر حساسية فى الحملة هى تجنيد اليهود الحريديم، أو ما يسمى فى إسرائيل المساواة فى تحمل العبء. فبينما تتحمل قطاعات واسعة من المجتمع أعباء الخدمة العسكرية والضرائب، ظل جزء كبير من المجتمع الحريدى يتمتع بترتيبات خاصة، وأصبحت القضية بالنسبة لكثير من الناخبين سؤالًا عن عدالة توزيع أعباء الدولة، من يخدم ومن يدفع ومن يحصل على الإعفاءات. إلى جانب ذلك تأتى تكلفة المعيشة والسكن، وهى قضايا تمس حياة الناخب مباشرة، ثم مسئولية السابع من أكتوبر، حيث يطالب أيزنكوت بلجنة تحقيق رسمية فى الإخفاقات بينما يحاول نتنياهو وحلفاؤه منع القضية من التحول إلى حكم سياسى مباشر على قيادته.

ولعل العامل الخارجى الوحيد الحاضر فعليًا فى هذه الحسابات الانتخابية هو العلاقة مع واشنطن، لا بصفتها ملفًا منفصلًا، بل بصفتها امتدادًا للسؤال الداخلى نفسه: من يملك القدرة على إدارة هذه العلاقة الحساسة فى لحظة يتقاطع فيها الدعم الأمريكى العسكرى والسياسى مع ضغوط داخلية أمريكية متصاعدة حول طريقة إدارة الحرب. فنتنياهو يقدم نفسه بصفته الأقدر على إدارة هذا الملف بحكم علاقته الطويلة بالإدارات الأمريكية المتعاقبة، بينما يراهن أيزنكوت، القادم من خلفية عسكرية ــ مؤسسية لا حزبية، على أن مصداقيته أمام واشنطن تحديدًا فى هذه المرحلة قد تكون أعلى من مصداقية نتنياهو المتراجعة. وهكذا فإن العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم أنها الملف الخارجى الوحيد الحاضر فى المعركة الانتخابية، تُطرح هى الأخرى كورقة داخلية أكثر منها قضية سياسة خارجية بالمعنى التقليدى.

  • • •

وهذا الانشغال الداخلى هو ما يفسر غياب فلسطين عن قلب المنافسة. فالأمر لا يعنى أن الإسرائيليين لا يهتمون بغزة أو بالفلسطينيين، وإنما يعنى أن القضية الفلسطينية لا تشكل الاختيار السياسى الأساسى بين الأحزاب الصهيونية المتنافسة. وأيزنكوت نفسه لا يقدم برنامجًا يقوم على تسوية فلسطينية، بل يتحدث عن الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين وعن الأمن والسيطرة العسكرية، ولا يضع قيام دولة فلسطينية فى مقدمة أولوياته، وبعض منافسيه مثل نفتالى بينيت أكثر وضوحًا فى رفض قيامها من الأساس. والخلاصة أن الخلاف السياسى داخل إسرائيل لا يطابق بالضرورة الخلاف حول مستقبل القضية الفلسطينية.

وهنا يظهر وهم الـ61 مقعدًا بأوضح صوره. فحتى إذا أصبح أيزنكوت صاحب أكبر كتلة، فسوف يحتاج إلى بناء ائتلاف يصل إلى هذا الرقم، وتشير الاستطلاعات إلى إمكانية حصول الأحزاب العربية على نحو 11 أو 12 مقعدًا، بما يجعلها حاسمة حسابيًا. لكن الثقل العددى لهذه الأحزاب لم يتحول تاريخيًا إلى ثقل سياسى موازٍ، لسببين متصلين. الأول أن الأحزاب العربية نفسها ليست كتلة واحدة، فحزب رام بقيادة منصور عباس يمثل نموذجًا براجماتيًا يركز على الميزانيات والإسكان ومواجهة الجريمة، وهو أكثر استعدادًا للتعامل مع أى حكومة إسرائيلية مقابل مكاسب مدنية ملموسة، بينما تنظر أحزاب أخرى مثل القائمة المشتركة، وبخاصة حزب بلد أحد مكوناتها، إلى  المشاركة فى حكومة صهيونية من زاوية شرعية سياسية لا من زاوية مساومة، فتتردد فى تقديم دعم رسمى مهما كانت المكاسب المعروضة. وهذا الانقسام يفقد الأحزاب العربية موقفًا تفاوضيًا موحدًا حتى حين يكون وزنها الانتخابى كبيرًا. والسبب الثانى أن شركاء أيزنكوت المحتملين من أحزاب الوسط واليمين ينظرون بحساسية شديدة إلى فكرة حكومة «تعتمد» على أصوات عربية، وهى وصمة سياسية تعود جذورها إلى حكومة رابين فى التسعينيات التى اعتمدت على دعم خارجى من الأحزاب العربية وظلت تُهاجم بسبب ذلك لسنوات. ولذلك فإن أيزنكوت نفسه أمام معضلة حقيقية: الحساب البرلمانى قد يدفعه نحو الأحزاب العربية، لكن الاعتماد الرسمى عليها قد يكلفه تحالفات أخرى هو فى أمسّ الحاجة إليها. والنتيجة أن هذه الأحزاب قد تحصل على تفاهمات غير رسمية، امتناع عن التصويت مقابل تنازلات محددة، من دون أن تتحول إلى شريك مؤسسى له  حقيبة وزارية أو نفوذ دائم فى صياغة السياسات، أى وزن حسابى من دون نفوذ متناسب معه.

وهذا ما يفتح الباب أمام كتل أخرى قد تصبح هى الفارق الحسابى الحقيقى. فحزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيجدور ليبرمان، بتوجهه العلمانى ورفضه إعفاءات الحريديم، يقترب موضوعيًا من موقف أيزنكوت فى قضية التجنيد، وقد يكون كافيًا لتقليل حاجته إلى الأصوات العربية إذا انحاز إليه بدلًا من معسكر نتنياهو. أما الأحزاب الحريدية نفسها، شاس ويهدوت هتوراه، فتوصف عادة بأنها حليف ثابت لنتنياهو، لكنها فى جوهرها براجماتية، وقد تقبل عرضًا يحافظ على تمويل المؤسسات الدينية من دون المساس بجوهر الإعفاء، وإن كان هذا احتمالًا صعبًا بالنظر إلى أن قضية توزيع الأعباء هى عصب حملة أيزنكوت نفسها. وكتلة بينيت أقل أهمية من ناحية العدد وأكثر أهمية من ناحية الإشارة السياسية، فتاريخه الشخصى المتوتر مع نتنياهو يبقيه ورقة غير محسومة رغم أن موقفه من الدولة  الفلسطينية أقرب إلى الليكود منه إلى أيزنكوت.

• • •

وإذا خسر نتنياهو، يمكن أن تتغير أشياء مهمة، أسلوب إدارة الحكومة، العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، التعامل مع التحقيق فى إخفاقات السابع من أكتوبر، وربما أسلوب إدارة الحرب فى غزة. لكن موقع أيزنكوت نفسه يوضح حدود هذا التغيير، فهو يأتى من قلب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا من خارجها، ولا توجد حتى داخل المعسكر المعارض لنتنياهو كتلة صهيونية رئيسية تتنافس على أساس برنامج واضح لإنهاء الصراع الفلسطينى أو القبول الفورى بقيام دولة فلسطينية. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط من سيخلف نتنياهو، بل ما الذى يستطيع هذا الخليفة، أيًا كان، أن يغيره فعلًا.

وأيًا كانت نتيجة هذه الانتخابات، فإن ما ينبغى أن يحكم الموقف المصرى هو استخدام ما تملكه القاهرة فعلًا من أدوات، السيطرة على معبر رفح، والرفض الثابت لأى تهجير للفلسطينيين من غزة، والتنسيق الأمنى فى سيناء الذى تحتاجه إسرائيل، ورصيدها لدى الفصائل الفلسطينية بوصفها العنوان الأقرب لأى تهدئة أو تفاهم، لضمان أن تبقى الحدود المصرية مصونة، وأن يظل أى ترتيب لإعادة الإعمار أو الترتيبات الأمنية فى غزة خاضعًا لشروط تحفظ مصالح مصر القومية ولا تُفرض عليها من الخارج، وبما يخدم فى الوقت نفسه القضية الفلسطينية ككل لا مصر وحدها. فسواء بقى نتنياهو أو جاء أيزنكوت، فإن الرهان الحقيقى بالنسبة لمصر ليس على من يحكم فى تل أبيب، بل على ثبات القاهرة فى استخدام أوراقها لحماية مصالحها وخدمة القضية الفلسطينية معًا.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved