ثلاث نقاط

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 15 أكتوبر 2026 - 7:45 م بتوقيت القاهرة

يحدث أن ننشغل بأمرٍ من الأمور البسيطة ونبدأ فى البحث عن تفسيره فإذا برحلة البحث تأخذنا بعيدًا جدًا، وتضعنا على مشارف المزيد من الأمور المعقدة التى تحتاج إلى تفسير أكبر. أما كوننا نواصل رحلة البحث أو نتوقّف عند العتبة فهذا يتوقّف على أشياء كثيرة أهمها الشغف، ففقدان الشغف قاتلُ للرغبة فى المعرفة.

• • •

أنا من أولئك البشر الذين يُنطق اسمهم بطريقة ويُكتَب بطريقة أخرى مختلفة، ومثلى فى ذلك مثل مَن يحملون أسماء فيفيان وفيكتوريا وفيكتور ومافى وفيوليت وفيولا. وذلك أن أهالينا اختاروا لنا أسماء من أصول غير عربية تركية أو فارسية أو لاتينية، وبما أن اللغة العربية لا وجود فيها لحرف الـ V بالتالى تُكتب أسماؤنا بحرف الفاء. هذا الموضوع يغيظ بعض الشيء، ففى كل مرة أكتب اسمى فى أى مقال أو بحث وأضع فوق حرف الفاء ثلاث نقاط يتم شطب نقطتين من النقاط الثلاث بواسطة المحرّر فأشعر أن هذه ليست أنا وأنه حدث تغيير فى الأسماء الرسمية. وفى الحقيقة يجب أن أحمد ربنا لأنه أتت عليّ فترة لا كان اسمى يُكتب ولا حتى يُنطق بثلاث نقاط. حدث هذا فى فترة الخمسينيات عندما لم يكن اسمى متداولًا فى مصر على نطاق واسع، ثم أخذ ينتشر بين بنات جيلى هو وطائفة أخرى من الأسماء مثل بريهان وشريهان ونجوان..إلخ. وبما أنه يوجد فرق توقيت بين البندر والأرياف، ظلت هذه الفئة من الأسماء- ذات الأصول غير العربية- غريبة على مسامع أهل قريتى فى قلب الدلتا. وجرت العادة على التعامل مع اسمى بطريقتين، إما نطقه بالفاء دون فهم معناه التركى والفارسى وهو الزهرة الجميلة، أو تحريفه ليقترب من اسم آخر له معنى مفهوم، وكان الاسم الأقرب هو "نفير" بمعنى الحشد والتعبئة. وكثيرًا ما استغل أخواى هذا التحريف العجيب لاسمى من أجل الضغط عليّ فى أى خناقة تافهة حتى أضطر لتقديم تنازلات، وبالفعل فإن النداء عليّ مرة واحدة فقط يا "نفييير" كان كفيلًا بأن يجعلنى أعمل عجين الفلاحة حتى أوقف هذا النداء السخيف. من جهة أخرى ظل بعض الأصدقاء المشارقة ينادينى "نوين" حتى سنوات قليلة، ولم أفهم سببًا لذلك .

• • •

عمومًا فإن موضوع الأسماء موضوع مثير وفيه كثير يقال، لذلك قلت آخذه إلى الدكتور عبد الستّار الحلوجى لأنه مُرشدى وناصحى الأمين فى كل ما له صلة باللغة العربية والنحو، فالرجل علّامة كبير فى علم اللغة والتراث فضلًا عن علم التربية. ثم أن الحديث مع الدكتور الحلوجى هو فى العادة حديث متدفق وشيّق ولا يمكن أن ينتهى دون حصيلة معرفية معتبرة. ولذلك أعترف أن اتصالى به للدردشة فى موضوع الأسماء كان من باب "التلكيك" لأسمع صوته وأستفيد من علمه الوفير. فى البداية كرّر عليّ الدكتور الحلوجى ما أعرفه عن أن بعض الحروف اللاتينية ومنها حرف الـ(V) لا وجود له فى اللغة العربية مثلما أن بعض الحروف العربية كالضاد والظاء لا وجود له فى اللغة اللاتينية. هذا إذن معروف لكنه ليس كل شئ، فالموضوع أعقد من ذلك بكثير، والاختلاف بين اللغات واللهجات يصنع فوارق كبيرة سواء فى الكتابة أو فى النطق. سألني: هل تعرفين بكم طريقة يُكتَب حرف الجيم وهو بدوره كحرف الفاء لا يعرف التنقيط الثلاثى كما فى أسماء جورج وجورجيت وروجينا وجاسمين؟ توقَعت من سؤاله أن حرف الجيم من الحروف المشاغبة، فرددتُ على سؤاله بسؤال آخر: كم طريقة؟ قال: فى اللغة الفارسية يُكتب حرف الجيم كافا وفوقها شَرطة مائلة يقصد هكذا ( گ) ومن ذلك كلمة "بُزُرْگ" أى الشيء الكبير أو الضخم. وأضاف أن هذه كانت هى نفس طريقة كتابة حرف الجيم فى اللغة العثمانية إلى أن تحوّل مصطفى كمال أتاتورك لكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية. وفى الخليج يُكتب حرف الجيم قافًا وأحيانًا غاء كأن يُكتَب "بيق بن" أو "بيغ بن"فى إشارة للساعة البريطانية الشهيرة. وفى المغرب يُكتَب حرف الجيم فى اللغة الدارجة كأنه فاء ثلاثية النقاط كما فى قول "ڤمرة" بدلًا من "جمرة". وفى تونس يُنطق أحيانًا حرف الجيم على أنه قاف كما فى حالة حى "جمرت" السياحى الشهير الذى يُكتب "قمرت" وأحيانًا "ڤمرت". ومع أن حرف الجيم يُكتب بشكله المعروف فى مصر، لكن بعض اللهجات المحلية تجعله بديلًا لحرف القاف فيقال "جضايا" بدلًا من قضايا. كما يختفى تعطيش الجيم السائد فى صعيد مصر عند الانتقال للحضر، فيقال "جامعة" بدلا من "چامعة".

• • •

وفى شبه الجزيرة العربية نجد بعض اللهجات اليمنية تُحوّل حرف العين إلى همزة كأن يقال "أنيد" بدلًا من "عنيد"، وفى البعض الآخر يحّل حرف السين مكان الشين كأن يقال "شاعمل" بدلا من "سأعمل". ويبدو أن حرف الشين هو الآخر من الحروف المشاغِبة وأنه مولع على نحو خاص بمزاحمة باقى الحروف وتعظيم مساحة استخدامه قدر الإمكان، فهو فى الكويت والعراق يحّل محل حرف الكاف كأن يقال "تشيف الأحوال؟" بدلًا من "كيف الأحوال؟"، وهذا النوع الأخير من ألاعيب حرف الشين يطلقون عليه "كشكشة"، كما أخبرنى دكتور الحلوجى، وكانت التسمية مفاجأة بالنسبة لى، فالكشكشة فى عالم الخياطة لها معنى مختلف جدًا.

• • •

فى نهاية المكالمة شعرتُ بالدوار فلقد انتقلنا من البحث فى موضوع الثلاث نقاط إلى مناقشة موضوع اللهجات المحلية ككل، ولم أعد أعرف أى حرف يحل محل أى حرفٍ آخرٍ فى هذه اللهجة أو تلك، فسارعتُ بتدوين المعلومات التى تدفَقَت من الدكتور الحلوجى كتدفّق مياه الشلال. لكن المهم هو أن الحديث معه أوحى لى بالسؤال التالي: هل يمكن التفكير فى جهد عربى مشترك لإنتاج موسوعة تتضمن استخدامات الحروف العربية فى اللهجات المحلية المختلفة؟ يحتاج تحقيق هذا الحلم الصغير إلى الاقتناع بحقيقة بديهية هى أن تعدُد اللهجات المحلية هو مصدر للتنوّع والغنى ودليل على الحيوية والتجدُد. كما أنه يحتاج لتوفّر الإرادة السياسية للربط والتشبيك بين الشعوب العربية باعتبار أن الثقافة هى خط الدفاع الأخير عن العروبة. ومن حسن الحظ أن هناك اهتمامًا عامًا متزايدًا باللغة العربية، وبالتالى توجد فرصة لتحقيق الحلم، وكما يقول محمد منير "لو بطّلنا نحلم نموت.. لو عاندنا نقدر نفوت".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved