حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو كابوس.. لكنها فرصة ذهبية لليسار

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الخميس 15 أكتوبر 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

كلما ازدادت احتمالات التعادل، وفقا لاستطلاعات الرأى، بين ائتلاف التغيير المحتمل وائتلاف الخراب الحاكم، فإن خيار تأليف حكومة وحدة وطنية متكافئة بين بنيامين نتنياهو وجادى أيزنكوت، الذى طرحه هنا ألوف بن فى «هآرتس»، 8 سبتمبر، يبدو، أكثر فأكثر، كأنه احتمال واقعى.
ومن الواضح أن السيناريو الذى لا يتنحّى فيه المتهم رقم واحد عن قيادة الدولة يُعدّ كابوسا بالنسبة إلى أولئك الذين يأملون بانتشال إسرائيل من الهاوية التى دفعتها إليها الحكومة المسئولة عن إخفاقات 7 أكتوبر. ومع ذلك، من الأفضل أن نضع المشاعر جانبا للحظة، وأن نسأل بموضوعية وبرود: هل يمكن، إلى جانب العيوب الواضحة والجليّة فى حكومة من هذا النوع، العثور أيضا على جوانب إيجابية فى تأليفها؟

أولا، على الرغم من أن نتنياهو معروف بأنه يخرق الاتفاقات بصورة متكررة، فإن ثمة احتمالا لا بأس به لأن يلتزم بكلمته وينفّذ حصته من الصفقة فى حكومة وحدة وطنية تجد وسيلة مبتكرة لمنع إدانته جنائيا. وستتضمن الصفقة أيضا الموافقة على التراجع عن الانقلاب القضائى وتشكيل لجنة تحقيق رسمية للتحقيق فى إخفاقات 7 أكتوبر.

ثانيا، وهو الأهم بالنسبة إلى ما تبقّى من اليسار السياسى: إن حزب «الديمقراطيين»، الذى يصفه حتى بعض أوساط اليمين، التى ترى نفسها معتدلة، وبصورة مشوّهة، بأنه «متطرف»، من المتوقع أن يبقى خارج حكومة كهذه. وهذا سيتيح له فرصة ذهبية للعمل بجدية وعُمق على صوغ بديل أيديولوجى من النهج السياسى الذى ستتبعه الحكومة.

ولنكن واضحين: من المؤكد أن حكومة الوحدة ستعارض حل الدولتين بشدة؛ فكلٌّ من أيزنكوت، الذى أطلق مؤخرا تصريحا وصف فيه مؤيدى الدولة الفلسطينية بأنهم «واهمون»، ونتنياهو الذى كان مستعدا لتنمية وحش «حماس» فى الحديقة الخلفية لإسرائيل بهدف دفن المسار السياسى، يرغبان فى مواصلة الوضع القائم المتمثل فى احتلال شعب آخر وقمعه إلى الأبد.

ومن الواضح أيضا أن حكومة الإصلاح المنشودة، التى كانت ستضم حزب «الديمقراطيين» وتُبقى الليكود بقيادة نتنياهو خارجها، كانت ستتمسك بالمبدأ الفاشل نفسه، أى معارضة إقامة دولة فلسطينية، وهو المبدأ الذى يهيمن على الرأى العام الإسرائيلى حاليا. وسيضطر حزب «الديمقراطيين» إلى مسايرة هذا التصور، الأمر الذى كان سيؤدى إلى فقدان بوصلته وإصابته بضمور فكرى كامل.

أمّا إذا وجد الحزب نفسه فى المعارضة لحكومة الوحدة التى يقودها نهج «إدارة الصراع»، ذلك النهج القائم على الحماقة، والذى انهار فى 7 أكتوبر، فلن يكون فى وسعه مواصلة طمس موقفه من القضية الفلسطينية، بل سيُضطر إلى تقديم بديل صهيونى واضح للجمهور الإسرائيلى من مواصلة مشروع الاحتلال والاستيطان.

فى الواقع، هذه هى الخطيئة الأصلية لليسار الصهيونى؛ ففكرة تقسيم المنطقة الواقعة بين النهر والبحر إلى دولتين قوميتين، إذا كان اليسار طرحها أصلا بوضوح وصراحة، لم تُقدَّم يوما، باعتبارها نتيجة لرؤية قومية أيديولوجية تستمد جذورها من الأسس القومية الليبرالية الأصيلة للفكرة السياسية الصهيونية.

لقد جرى تصوير التسوية السياسية التى تعيش بموجبها أمّتان حرتان، إسرائيلية وفلسطينية، جنبا إلى جنب بسلام، تفصل بينهما حدود متفق عليها ومعترف بها من الطرفين، مرارا وتكرارا، على أنها تنازُل توفيقى عن مبادئ قومية ثانوية ومضلِّلة، مثل «أرض إسرائيل الكاملة»، ليس باعتبارها تطبيقا لمبادئ قومية جوهرية ميّزت الصهيونية التاريخية، لكنها أُهملت بصورة مخزية، وهى: تحقيق الوضع الطبيعى لدولة قومية والاعتراف بالحقوق القومية للشعب المجاور.

وبدلا من التوضيح والتصريح، مرارا، بأن إنهاء خضوع شعب آخر على يد الشعب اليهودى، ذلك الإخضاع المهين والمشين، هو استكمال للمشروع الصهيونى الذى يتمثل أحد أهدافه المركزية فى دمج الشعب اليهودى ضمن أسرة الأمم الحرة والديمقراطية، تبنّى اليسار الصهيونى فى الأساس خطاب التهديد الديموغرافى: «إن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين يعنى فقدان الأغلبية اليهودية». ولم يؤدِّ هذا الخطاب سوى إلى تعميق الخطاب العنصرى الداعى إلى الترحيل القسرى داخل المجتمع الإسرائيلى.

وحتى الآن، لم يُحدث يائير جولان وحزبه أى تغيير فى هذا الخطاب الخالى من الفاعلية؛ ففى مجتمع مشبع بالمفاهيم القومية الصهيونية، لم يفكّروا حتى فى محاولة الربط بشكل مُقنع بين الصهيونية والقومية من جهة، وإنهاء الاحتلال من جهة أُخرى.

علاوةً على ذلك، فإنهم يتوجسون من مفهوم الاحتلال ومن فكرة الدولة الفلسطينية، التى تُوصَف بأنها «وهمية»، ويفضّلون عليهما صيغة غامضة ومشوّشة لِما يشبه الانفصال المحسّن، تحت عنوان «الانفصال المدنى عن الفلسطينيين»، لكن هذه الصيغة لا تعنى فى الحقيقة سوى تجربة أخرى من النوع الذى يمكن أن ينتهى بكارثة على شاكلة 7 أكتوبر.

ومن الواضح أنه فى الظروف الراهنة، ليس من الحكمة، ولا من الإنصاف، توجيه الانتقادات إلى حزب «الديمقراطيين» بسبب تهرّبه من الخوض فى القضية الفلسطينية؛ ففى نهاية المطاف، لا توجد اليوم مهمة أكثر إلحاحا من تحرير إسرائيل من قبضة «حكم الإجرام السياسى» الذى يمثله بنيامين نتنياهو. وما دام هناك أدنى احتمال لتأليف حكومة الإصلاح، فعلى حزب «الديمقراطيين» التقليل من إبراز القضية السياسية، لكى يتيح التعاون مع اليمين غير المؤيد لنتنياهو. لكن إذا تم تأليف حكومة وحدة من يمين الوسط لا تحتاج إلى دعم غولان وحزبه، فلن يكون مطلوبا من «الديمقراطيين» رفع راية حلّ الدولتين بلا تردد فحسب، بل سيكون عليهم أيضا أن يبرهنوا للجمهور الإسرائيلى، بالحجج والأمثلة الواضحة، لماذا يُعدّ الاستمرار فى معارضة إقامة دولتين قوميتين فى منطقة يعيش فيها شعبان، يمتلك كلٌّ منهما وعيا سياسيا وقوميا مستقلا، أمرا غير معقول.

وسيكون عليهم أن يوضحوا لماذا تشكّل رؤية السلام والمساواة بين الشعبين اللذين يعيشان فى هذه الأرض، فى حقيقة الأمر، جوهر الحلم الصهيونى الذى لم يتحقق بعد.

وبما أن حزب اليسار الصهيونى الوحيد فى إسرائيل لن يتمكن من إنجاز هذا العمل الأيديولوجى الشاق والمضنى، لكن الضرورى، إلّا من موقع المعارضة، فلا بد من الاعتراف بأن حكومة الوحدة بين أيزنكوت ونتنياهو ربما تمثّل تطورا إيجابيا بالنسبة إلى اليسار.

ديمترى شوموسكى
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved