إعلام الصفوة.. قراءة فى ظاهرة الصلع والشعر الأبيض

يوسف إدوارد
يوسف إدوارد

آخر تحديث: الخميس 15 أكتوبر 2026 - 7:45 م بتوقيت القاهرة

من الطبيعى أن الإعلامى يحتاج إلى موهبة وثقافة حتى يتم التعرف عليه ويستمر فى «الشغلانه»، وبالطبع يحتاج إلى جمهور حتى يبقى متألقًا، وغالبا الكاميرا وحدها غير قادرة على صناعة نجم العالم فى الإعلام، وطبعا الظهور اليومى ليس دليلًا على الأهمية، ولا عدد الصور المنشورة فى وسائل الإعلام مقياسًا لقيمة صاحبها، كما أظن زمان الإعلامى كان يبدأ صغيرًا «عادى زى كل الناس»، يقرأ ويكتب ويخطئ ويُصحح ويتعلم من الأكبر منه ثم يحاول مرة أخرى، وكان يعرف أن الصورة مسئولية وأن الكاميرا ليست مرآة شخصية، وأن الظهور أمام الناس امتياز يحتاج إلى مبرر قوى.

و«فجأة يا خويا» تغيرت الدنيا وأصبحت الكاميرا فى الهاتف والاستوديو فى أى مكان ينفع يكون فيها، والجمهور على بُعد ضغطة حتى أصبح بإمكان أى أحد لم يدخل مؤسسة إعلامية فى حياته أن يصل إلى ملايين الناس، وهذا ليس عيبًا بل ربما يكون من أجمل ما حدث للإعلام. لكن السؤال الذى لم يتغير منذ اختراع أدوات الحضور الإعلامى: ماذا لديك يا سيدى لتقول؟ ومن هنا تبدأ حكاية «إعلام الصفوة».

• • •

هو طبعا تعبير يبدو محترمًا جدًا حتى نكتشف أن الصفوة نفسها هى التى منحت نفسها اللقب. واحد يستضيف الثانى والثانى يشيد بالثالث والثالث يظهر مع الأول، ثم يجتمع الجميع فى مناسبة ما فيلتقطون الصور ويكتبون عن «الزمن الجميل»، ثم يعودون إلى الشاشات ليؤكدوا أن الجمهور ما زال يحبهم. الجملة الأخيرة تحديدًا تحتاج إلى بحث علمى مستقل لأن السؤال البسيط هو: أين هذا الجمهور؟ لا أحد يعرف، لكن لا تقلق، الجمهور موجود بالتأكيد، فلو لم يكن موجودًا فمن الذى يشاهد هؤلاء؟ ربما بعضهم يشاهد بعضًا، وهذه نظرية إعلامية تستحق الدراسة: الإعلامى الذى يشاهد الإعلامى والإعلامى الذى يستضيف الإعلامى والإعلامى الذى يمدح الإعلامى، ثم يخرج الجميع باستنتاج واحد: الجمهور لا يزال معنا.. وغالبا الجمهور الحقيقى لم يحضر.

وخلال رصد هذه الظاهرة اكتشفنا أن هناك مؤشرًا بصريًا مهمًا جدًا فى عالم «الصفوة»: هو الشعر الأبيض. فكلما زاد الشعر الأبيض زادت الهيبة وكلما زادت الهيبة أصبح السؤال عن الشعبية قليلًا من قلة الذوق. الشعر الأبيض أصبح فى بعض الحالات شهادة خبرة حتى لو لم نعرف بالضبط: خبرة فى ماذا؟ هل هى خبرة فى الإعلام أم فى الاستمرار أم فى معرفة مكان التصوير؟.. أم فى النجاة من كل موجة تغيير تأتى على الشاشة؟ والأجمل أن بعض أصحاب الشعر الأبيض يتعاملون مع لون الشعر وكأنه بطاقة عضوية دائمة فى نادى «الكبار»، وكأن السنوات لا تمر عليهم بل تمر علينا نحن فقط.

أما الأصلع فى الحقيقة هو مشكلة منهجية حقيقية لأنه لا يمكن وضعه بسهولة فى خانة أصحاب الشعر الأبيض، ولا فى خانة أصحاب الشعر الأسود لأنه حالة مستقلة. والحقيقة أننى حاولت كثيرًا أن أعرف أين نضعه فى التصنيف الإعلامى ولم أصل إلى إجابة، ولذلك قررت احترامًا للعلم أن أترك الملف للخوارزمية، فالخوارزمية على الأقل لا تجامل أحدًا، وهى ببساطة تعرض عليك ما تعتقد أنك تريده وتدفن ما لا تراه وهى فى هذا أكثر صراحة من بعض المؤسسات الإعلامية.

• • •

ممكن أن نترك ظاهرة الشعر والصلع قليلا لأن المشكلة الحقيقية ليست فى شكل الرأس، المشكلة فى بعض البرامج التلفزيونية التى يجب أن يكون لها توقيت وتتطور، إلا مع بعض الإعلاميين. هؤلاء الذين حصلوا بطريقة ما على ضمان عرض مفتوح. تتغير القنوات وتتغير البرامج ويتغير الجمهور وتظهر منصات جديدة وتختفى منصات قديمة وتدخل الخوارزمية غرفة الأخبار، ويتحول الهاتف إلى شاشة ويتغير شكل العالم كله، وهو موجود بنفس الكرسى بنفس النبرة بنفس المقدمة، وأحيانًا بنفس الضيف كأن الزمن كله تحرك وتركه فى مكانه احترامًا لخبرته.

ولنكن منصفين، ليس كل صاحب شعر أبيض فقد بريقه وليس كل شاب صاحب شعر أسود هو مستقبل الإعلام. هناك إعلاميون كبار ما زالوا قادرين على التعلم والتجدد وطرح الأسئلة وصناعة الأفكار وفتح الطريق أمام غيرهم، وهناك شباب يملكون ملايين المتابعين لكنك بعد انتهاء الفيديو تسأل نفسك: ماذا أضاف؟ لذلك فالعمر والشعر والصلع ليس المشكلة، المشكلة هى أن يتحول التاريخ المهنى إلى حصانة ضد التطور. الشعر الأبيض ليس شهادة اعتماد والأسود ليس تصريح دخول، والمعلومة للأسف لا تسكن فى الشكل ولكن فى القلب والعقل.

زمان كان الإعلامى يسأل: أين القضية؟ اليوم يسأل فريقه: ماذا يقال الآن؟ الأول يبحث عن فكرة والثانى يبحث عن «ترند»، الأول يريد أن يترك أثرًا والثانى يريد أن يترك «مشاهدات»، والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الإعلام وصناعة المحتوى. وليس معنى ذلك أن صناعة المحتوى أقل قيمة، بالعكس، قد يصنع شاب من هاتفه ما تعجز عنه مؤسسة كاملة، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح المشاهدة هى الدليل الوحيد على القيمة أو يصبح الظهور الطويل دليلا على الاستحقاق، فالمشاهدات ليست شهادة مهنية والترند ليس درجة علمية، وعدد المتابعين لا يعنى أن صاحبه يعرف ماذا يقول، وإلا أصبح صاحب أكثر فيديو مشاهدة فى اليوم أستاذًا فى كلية الإعلام!

• • •

والأخطر من ذلك كله هو «عِشرة الإعلامى للصورة». هناك من يجلس طويلا حتى ينسى أن الصورة الإعلامية ليست ملكًا له. يبدأ الأمر بخبرة ثم يتحول إلى مكانة إلى أن يصبح حق مكتسب، ثم بعد سنوات يصبح مجرد وجوده سببًا لاستمرار وجوده، وهنا تظهر الجملة القاسية: ليس كل من جلس طويلا أمام الناس أصبح جزءًا من تاريخ الناس، أحيانًا يكون فقط جزءًا من الأثاث، وغالبا الأثاث لا يُسأل عادةً عن نسب المشاهدة.

ومع ذلك لا أعتقد أن الحل هو استبعاد الكبار وإعلان أن المستقبل ملك للشباب، هذا أيضًا نوع آخر من الجهل. الكبير يعرف السياق والشاب يعرف السرعة، الكبير يعرف لماذا حدثت الأشياء والشاب يعرف كيف يصل إلى الذين لم يعودوا ينتظرون نشرات الأخبار، الكبير لديه الذاكرة والشاب لديه الفضول. ولو اجتمعت الذاكرة مع الفضول يمكن أن نصنع إعلامًا جديدًا فعلًا. فالمهنة لا تحتاج إلى صراع بين جيلين بقدر ما تحتاج إلى أن يعرف كل جيل ماذا يمكن أن يضيف.

الإعلامى الحقيقى لا يخاف من الزمن، لأن الإعلامى الحقيقى يعرف أن قيمته ليست فى عدد سنوات ظهوره، وإنما فى قدرته على الاستمرار فى إضافة شىء جديد. وأظن أن أجمل لحظة فى حياة إعلامى كبير هى اللحظة التى يرى فيها شابًا يقف فى المكان الذى وقف فيه يومًا، فيشعر بالفخر، ليس طبعا لأنه فقد مكانه بل لأنه يرى امتدادًا لما بدأه. هنا يصبح الشعر الأبيض خبرة والكرسى محطة لا عنوانًا دائمًا.

بصراحة لا يليق أن أبحث عن عمر الإعلامى ولا عن لون شعره ولا حتى عن حالة الصلع. السؤال الحقيقى أبسط من ذلك كله: هل ما زلت تقول شيئًا يستحق أن يسمعه الناس؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved