هل ستكتفى السينما العربية ببضعة مهرجانات مركزية كبيرة لا أكثر؟ (٢ من ٣)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 7:45 م
بتوقيت القاهرة
هل أجرى أحد أو هيئة ما دراسة جدية وموثقة حول العدد الحقيقى للمهرجانات السينمائية العربية المنتشرة، ليس فقط فى شتى المدن العربية الموزعة فى بلدانٍ تمتد من المحيط إلى الخليج، بل فى مناطق كثيرة من العالم؟ وهل قام مركزٌ يهتم بهذا النوع من الدراسات باستفتاءٍ بين السينمائيين، إن لم يكن فى أوساط الجمهور العريض المهتم بالثقافة عموما، سعيا وراء معرفة الآراء الحقيقية التى يحملها هؤلاء تجاه هذه المهرجانات؟ وهل قُيّض لمراكز بحثٍ واستطلاع رأى أن تتساءل حول رأى المواطنين العرب - دون أن يقتصر طرح ذلك التساؤل على أهل السينما أو حتى النخب الثقافية والفكرية عموما - فى تلك المهرجانات وجدواها؟
نطرح هنا هذه الأسئلة مع انطلاقة موسم مهرجانى جديد يكشف، كما لم يفعل أى موسم آخر من هذا النوع، عن أزمة وجودية يعيشها هذا النوع من النشاطات الثقافية؛ والتى – إذا استثنينا ما لا يزيد على نصف درزينة من تظاهرات سينمائية كبرى من طينة «الجونة» و«القاهرة» و«قرطاج»، لكى نكتفى بهذه العناوين الأكثر بريقا والأعرق تاريخا والأصلب تجربة – تكاد تمر عاما بعد عام دون أن تسجل أى خرق حقيقى فى العلاقة بين السينما وجمهورها. وبالتالى، يكشف ذلك عن أن ثمة ما لا يرام فى الحالة المهرجانية العربية بصورة عامة.
وآية ذلك تلك المهرجانات الكبرى على أى حال، بالمعنى البهرجى، العابرة بين الحين والآخر، والتى تُقام دون أن يعرف أحدٌ حقا لماذا أُقيمت، وتتوقف دون أن يفهم أحدٌ – أو حتى يبالى بأن يفهم – لماذا توقفت! بل حتى دون أن يشكّل توقفها، فى أغلب الأحيان، أى خبر ولو فى زاوية صحيفة فى أى بلد فى العالم.
والحقيقة أن هذا يطرح علينا السؤال البديهى: لماذا؟ ولمن تُقام هذه المظاهرات المسماة مهرجانات دون أن تكون فى أكثر الأحيان أكثر من أسابيع سينمائية أو تجمعات لأصدقاء حول بضعة أفلام لا تثير اهتمام أحد غيرهم، أو حتى أبواب رزق عائلية؟ ولا سيما حين تمول من قبل هيئات أجنبية، فى بلدان أوروبية تحديدا، فتُستخدم الحكاية كلها كنوع من الترياق لضمير كولونيالى معذّب!
طبعا لم يكن الأمر على هذا النحو دائما؛ فخلال الثلث الأخير من القرن العشرين، وفى زحام الحركات الشبابية والثورات الثقافية المتعاقبة، وحتى كجزء من الحرب الباردة، عرفت التظاهرات السينمائية الكبرى ازدهارا هائلا، ولا سيما حين تضافرت إلى حد كبير ولافت مع ولادة حركات نقدية صاخبة ومشاكسة فكريا وأيديولوجيا، فى مجالات شتى كان لا بد للنقد السينمائى أن يبرز من بينها ويتميز.
والحقيقة أننا كنا نعيش حينها مرحلة فكرية تميزت بالنظرات النقدية وبعقول كانت تعتقد أن فى وسعها أن تغيّر العالم، وتؤمن بأن السينما يمكنها أن تلعب دورا أساسيا فى عملية التغيير تلك. وعلى هذا النحو كانت السينما ومهرجاناتها والحركات النقدية المتمحورة حولها جزءا من زمن ذهبى واعد.
لكننا نعرف أن ذلك كله سرعان ما سقط وسط تفاهات حوّلت النقاد إلى مستشارين لتجار السينما، والمناضلين إلى موظفين لدى المنتجين، بل لدى أردأ المنتجين! إلى درجة أن ناقدا كبيرا صديقا فوجئ يوما بمهرجان براق يعيّنه «ناقدا رسميا للمهرجان». والحقيقة أن لا الناقد الصديق ولا غيره من النقاد ولا نحن كنا نعرف أن ثمة وظيفة من هذا النوع! ومن هنا، حين سألنا الصديقُ عما توجبه عليه هذه الوظيفة السخية أن يقول، أجبناه: «ليس عليك أن تقول ما تراه، بل أن تسكت عما تراه!». والحقيقة أنه كان من حسن حظ الصديق أن توقف المهرجان قبل أن يوقعه فى التجربة!
غير أن مثل هذا الكلام لا يسرى بالطبع على تلك المهرجانات الحقيقية الكبرى التى ذكرنا بعضها أعلاه، لكنه ينطبق على بقية ما تبقى من تلك المناسبات التى أضحت مجرد «أبواب رزق»، ولم يعد أحد يبالى بها؛ أُقيمت أم لم تُقم، باستثناء حفنة من مستفيدين قليلين لا يهتم أى منهم حتى بالأفلام التى تُعرض فى مهرجاناتهم. وهى عادة نفس الأفلام التى تتنقل بين «مهرجان»» وآخر، وقد كفّ أى منها عن أن يشكل مفاجأة فنية حقيقية، وعن أن يجذب من المتفرجين فى العروض ما يصل إلى ربع ربع أولئك الذين يتدافعون لحضور الحفلات الافتتاحية والختامية. وقد نسوا أن مادتها الأساسية هى الأفلام، إلى درجة أن فيلم الافتتاح أو فيلم الختام فى واحد من تلك «المهرجانات» يعجز عادة عن اجتذاب ربع المتدافعين لحضور حفلات العشاء والكوكتيل!
والأدهى من ذلك أن المهرجانات – الكبرى والصغرى معا هذه المرة – التى قد تعلن أن واحدا من أسمى أهدافها عقد «اللقاءات المثمرة» بين السينمائيين من مخرجين ومبدعين آخرين ومنتجين ونقاد وما إلى ذلك، قلما يُلاحظ فيها حضور واحد من هؤلاء... وخوضه مناقشات إبداعية حقيقية.
هى حالة من حالات البؤس الثقافى الذى نعيشه. ولكن هل معنى هذا أن المهرجانات لم تعد ذات جدوى ولا مكان حقيقيا لها فى حياة الناس؟ ليس تماما.
مع ذلك، بات لا بد من التفريق – فى التسمية على الأقل – بين تظاهرة صغيرة هنا يحضرها حفنة من المهتمين (وتجد دائما من يمولها بين أولئك الذين كان لينين يسميهم «الحمقى النافعين»، سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات)، ويكاد عدد ما يُقام منها سنويا يصل إلى عشرة أضعاف المهرجانات الحقيقية التى طالما كافحت لتبقى وتواصل رسالتها الحقيقية.
والحال أن السؤال الذى يتعين طرحه هنا بسيط وينطلق من السطور الأخيرة: ما ظروف وأساليب ذلك الكفاح وما جدواه؟ وما تلك الرسالة التى نشير إليها وبات لا بد أخيرا من إثارة الأسئلة الحقيقية حولها؟ حتى فيما يتعلق بالمهرجانات الكبرى التى ندعو دائما وسنظل ندعو إلى أن تتميز عن تلك التظاهرات الصغرى التى بات ينبغى تحجيمها فى الواقع، لتصبح – كما ينبغى لها أن تكون بشىء من التواضع المستحب – مجرد لقاءات بين أهل السينما حول أعمال مخرج محدد أو تيار سينمائى ما. فذلك سيكون، إن تحقق، أكثر فائدة وجدوى كما سنوضح فى خاتمة هذا الكلام فى الأسبوع المقبل.