حوار فى نسيج المجتمع

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 15 ديسمبر 2019 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

ليس بالجديد مثل هذا الحوار.. تجمعوا حول مائدة العشاء تنوع الحديث كما تنوعت الأطباق الشهية.. بدأت الدردشات بكثير من الضحك والسخرية التى أصبحت جزءا من التراث الحديث لمعظم المجتمعات العربية أى السخرية من النفس سواء كان النفس هو الشخص نفسه امرأة أو رجل، أو سخرية من مجتمعهم من طائفتهم من كل شىء.. بقيت الأجواء بين الهزل والجد والأطباق لا تفرغ بل تضاف لها أطباق جديدة وتزدحم المائدة فى تلك الغرفة المليئة بالدفء فى ليلة باردة ومدينة كمعظم المدن العربية تبحث عن قطعة خشب عندما شح المازوت لتدفئة المنازل.
***
تحول النقاش إلى كر وفر، الجميع لا يستطيع تفادى المرور ولو بشكل عابر، على الأصوات المرتفعة فى ثنايا مدن الوطن الواسع كلها تطالب بالحرية ومحاربة الفساد، ذاك المرض الذى خجل كثيرون عندما قرأوا التقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية والدول العربية فى ذيل القائمة إن لم يكن فى آخرها فيما يتعلق بدرجة الفساد العالية. لا يمكن أن يجتمع عربيان اليوم دون أن يكون ثالثهما حديث عن الطائفية مبطن بعبارات مستنكرة هذا المد فيما الحديث مغمس بالألفاظ والعبارات المعادية أو المحتقرة لطائفة ما.. نفس الصديق المثقف والواعى واليسارى والرافض للسلطات المتسلطة والحكم الدكتاتورى، هو نفسه يختبئ أو يستتر خلف الألفاظ وكأنه يبعد عنه تلك الشبهة ثم ما يلبث وأن يتعب من البحث عن كلمات لا تلتصق بجلده وتكشف عن المستور وترفع عنه ذاك اللقب الذى يحب أن يعرف به وهو «المثقف»!!!!
***
لا يمكن أن يختبئ المرء وراء قدراته المتنوعة فى المراوغة وتمرير الألفاظ على مصفاة العقل فيما القلب ينضح بالكراهية والحقد، فهذا تكتيك قصير المدى فى مثل هذه الجلسات المتنوعة. يفقد فجأة السيطرة ويرمى مصفاة العقل من فوق تلك الأسوار، يستقيم فى جلسته وكأنه قد استنفرته المجادلة والرأى الآخر أو ربما الأسئلة المبطنة!! نعم يقول هو «يا ريت نرميهم كلهم فى البحر أو فى الهاوية» ليس كلامه هو المثير وإنما ردود الفعل من الآخرين المنهمكين فى أطباقهم والذين يرفعون رءوسهم ليضحكوا على ما قال وكأنه يسترسل فى إطلاق النكات. يردد ألفاظا تشبه تلك المتوفرة بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعى من قبل من هم يقودون حملاتهم المنظمة وآخرون يسعدون بسرعة الضغط على زرار الإرسال إلى مجموعة واسعة وهكذا وما هى إلا لحظات لتتحول الكذبة إلى حقيقة والتلفيق إلى نظرية علمية لا يمكن تحديها أو مواجهتها بأى حجة.
***
تقوم صاحبة المنزل لإحضار مزيد من الطعام الشهى، تتنوع الأصناف وتبقى اللغة والخطاب واحدا لا شىء ملون فى هذه الغرفة إلا الطعام وكل الآخرين إما شاطروه الرأى أو لجأوا إلى الصمت ربما خوفا من تحول العشاء إلى كارثة اجتماعية جديدة تقسم المنقسم حتى تسببت فى «خراب البيوت»!!!
***
من ملامسة الطائفية إلى حديث فج عن كراهية الآخر ونبذه وتمنى الموت له أو لها، هكذا حوار كان حتى قبل سنوات بسيطة مستهجن بل مرفوض ولا يسمح به ولكن التحول هو أنه أصبح المادة الخصبة للحديث حول الموائد العامرة والليالى الصاخبة حتى بين هزة وأخرى ورقصة وقبلة.. لا يستغرب أحدهم كيف تتحول الزيارات والجلسات المحببة إلى مساحة أخرى لانتشار عدوى الطائفية حتى فى دول عربية ليس بين مواطنيها أى أحد من هذه الطائفة أو تلك ويردد الجميع أنهم لا يسيسون المسألة الطائفية ولا يستخدمونها لتقسيم الشعوب!!! حتى أننا لا نسمعهم إلا وهم يقولون «الطائفة الكريمة» وكأنها افتتاح لتبرئة النفس مما يتبع من حوار مقيت.
***
فيما يقال كيف سيرمم نسيج المجتمعات العربية التى مرت بحروب ونزاعات طويلة الأمد وجرحها لا يزال ينزف وربما بحاجة لكثير من الوقت ليلتئم، لا يفكر أحدهم أن النسيج فى دول ومجتمعات تبدو مستقرة ليس فى حال أفضل.. تساوى العرب فى وقوفهم عند آخر خيط فى آخر جزء من نسيجهم.
***
أفرغت الأطباق والكئوس من محتواها، بدأت السهرة فى إسدال ستارها وعودة كل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إلى مكان إقامته حاملا بعضا أو كثيرا من المرارة لم ينفع فى إزالتها لا شكولاتة بلجيكية ولا بقلاوة عربية ولا بسبوسة مصرية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved