عزيزي أبو الغيط.. الحل رومانسي
احمد صفوت
آخر تحديث:
الخميس 16 يناير 2014 - 10:10 م
بتوقيت القاهرة
لك مني السلام
أحاول أن أوجه إليك خطاباً، لا يغرق بالأمور الشخصية لينتهي بنا المطاف لأن ينصحنا أحد باستعمال البريد، كما أنني أحاول أن أبتعد عن (الفذلكة) التي تدري صدق نوايا صدري في الإبتعاد عنها، طالباً وجه الكريم.
أما بعد..
أكتب إليك لأنك - صدق أو لا تصدق - من أهم كتاب المقالات في مصر حالياً، كما أنني وأنا أعلم مكانتي لديك، يضيق صدري كأنما يصّعد إلى السماء كلما وقعت عيناي على اسمك، متردداً هل أقرأ؟
أعلم أنك مقتنع بتلك الفكرة العقلانية التي طرحتها في مقالك "ما قاله المقاتل لرفيقه" بنصحيتك للأطراف المتصارعة بالابتعاد عن تعنتهم الطفولي والجلوس للتشاور والتفاوض..إلخ.
حسناً ياصديقي دعنا نلقي نظرة على الأطراف المتصارعة، أنت تعلم أن طرفي الصراع مؤسستان عتيقتان تعتمدان بشكل أساسي على الأوامر الصادرة بإتجاه واحد وهو الأسفل، وأن دورة الحياة عندهما تعتمد بشكل أساسي على ذلك، أمر ينزل من الأعلى للقواعد السفلية، لا يعبأ من أصدره بمدى عقلانيته، لأنه على كل الأحوال سينفذ، وأنّا ندري أن "الآذان والأعين على القيادة، وغير ذلك سم زعاف" كما قال أحدهم من قبل.
الموضوع مرعب ياصديقي ولكن دعنا نحكي حكايات أنت تعرفها.
جدول المحاسبة.. قيمة أنت تفعلها ونحن نشرف عليها
في واحدة من مراحل التصعيد بالإخوان، بالتحديد المرحلة التي بين إكمال منهج (مبادئ الإسلام) وبداية دراسة (في رحاب الإسلام) – أنت تعلم أنه لا أحد يكمل دراسة شيء-، جاء مسؤول الشعبة وألقى خطاباً مطولا في أحد اللقاءات الإيمانية (وهي اللقاءات التي لا تنال من اسمها إلا اللاعقلانية)، عن أهمية المرحلة القادمة أهمية الجندية في الإسلام، الطاعة، ثم الطاعة، باختصار كان البرنامج على ما اتذكر كالتالي:
تلاوة قرآن.
الدعاء.
كلمة عن الطاعة وخطورة المرحلة (دائما المرحلة خطيرة، دائما لدينا انتخابات موشكة على الاقتراب).
كلمة عن محاربة النفس ونزعاتها وشطحاتها.
الأكل.
ثم خطابات أخرى مملة مطولة كلها تحمل اسقاطات على السيرة مشتملة على سير الأولين والآخرين، المحبين منهم والمنتسبين.
ثم جاء خطاب المسؤول المنتظر، بدأه بالحمد كثيراً والثناء، ثم بدأ يحكي عن غزوة أحد، لماذا أحد؟ أنت تعلم أن غزوة أحد هي المفضلة لديهم، الحالة المثالية للجندية، القائد يرى أمراً يبدو في ظاهره غير منطقي، هروب جماعي من الالتزام بأمر القائد، النتيجة هزيمة ساحقة.
استدرك خطابه بأننا إن هلكنا مابقي أحد يتعبد بعدنا، وأننا حماة الإسلام - لامجال للمبالغة هنا ياصديقي-، ثم أتت اللحظة الحاسمة، امتحان مفاجىء، وكان الامتحان هو جدول محاسبة النفس يحتفظ المسؤول به، يسألونك عن الصلاة في المسجد وطاعة أولياء الأمور، والدعوة الفردية بشكل غير مباشر مثل عدد الذين تقف معهم بعد الصلاة.
محمد عثمان صديقي يرفض أن يفعل هذا الرياء كما اسماه، المسؤول يحاول أن يقنعه بأهمية الموضوع، المشكلة أن الموضوع غير مقنع فعلاً، هم يفعلون ذلك لا لشيء سوى أن ليكون لمسؤولك الاطلاع على تلك الأمور الميتافزيقية التي تخصك أنت وحدك، هذا مايعترض عليه محمد بالضبط، كيف يقنعه؟، لا يستطع بالطبع، لأن الأمر غير مقنع النتيجة هي أن محمد خارج صفوف الجماعة، يتم تبليغه من اليوم التالي بألا يحضر مرة أخرى.
محمد كان خطيراً للغاية، لا أحد يقترب منهم مرة أخرى، لديه شطحات سلفية مؤذية ولديه تأخر فكري وعقائدي كما أخبرونا فيما بعد، لو بقي لأضر بمن حوله.
نظرة على الجانب الآخر أو "الذي لا نستطيع ذكر اسمه"
في العام 1953 تشتعل الأمور ضد الثورة الوليدة، مظاهرات طلابية حاشدة تطالب بتسريع المسار الديمقراطي وعودة الجيش إلى ثكناته، القواعد الكبرى لتلك المظاهرات تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، المظاهرات تصل إلى قصر عابدين، الوضع يبدو غريباً بالنسبة لقيادات الجيش الواصلة مؤخراً إلى السلطة، قمع المظاهرات لم يصل لحل، الأمر العسكري لا يفيد، فلنستبدله بأمر آخر، يستدعي عبد الناصر القيادي الإخواني عبد القادر عودة، فيأمر الحشود أن تنصرف فتنصرف، العام التالي حشود هيستيرية من طبقات الشعب تهتف بسقوط الديمقراطية، ولابد للجيش أن يحكم لأنه لاطريق للوصول إلى الاستقرار المنشود بغير الجيش. ينتهي العام بسيل هيستيري من إقصاء المعارضين ومحاكمتهم عسكرياً و إعدام عبد القادر عودة مع ترحيب من الحشود الوطنية المؤيدة لخارطة الطريق كما زعموا.
هكذا يدير الجانب الآخر الذي لا نذكر اسمه معاركه ياصديقي، أنت تعلم جيداً أن لا أحد منهما أفضل من الآخر ياصديقي لأن الأمر لو كان بتلك البساطة وأن أحدهما فصيل وطني والآخر خائن أو العكس ماتحالفا منذ البداية، العلاقة بينهما أكثر تركيباً وقوة، العلاقة بينهما تمتد بتاريخ نشأتهما معاً.
خاتمة:
ياصديقى متى تحليت بتلك العقلانية المفرطة؟، تخيل طاولة مفاوضات عليها أطراف الصراع الموجودة على الساحة على ماذا سيتفقون؟ حل كهذا ياصديقي لهدف نبيل تقصده وهو إنهاء حالة الصراع لا ينتج إلا استقرارا شبيهاً بعهد مبارك على أفضل الأحوال، سيجلسون معاً ويتكلمون عن مصائرهم هم لا مصائرنا.
ياصديقي نحن لا نعرف تلك الحلول، ولن تأتي لصالحنا، وأهون علينا أن نموت بخرطوشة دون أن نموت قهراً بأن هؤلاء سيتحكمون بمصائرنا إلى الأبد، الثورة كما نعرفها ياصديقي هي رهاننا الآخير، نحن نعلم أن الحل رومانسي، بل مفرط في الرومانسية، وغالباً لا يربح لأننا المستضعفون هنا، والطرف الأضعف فى العتاد وإلا ما احتجنا لثورة.
الثورة ياصيقي هي عقيدتنا اللا منطقية بأي حال، لأن الإيمان بشيء آخر يبدو لنا كالهلاك في الجحيم، خسارة للنفس، ياصديقي المتساقطون على طريق الثورة في ازدياد، الثورة تنفث خبثها، لدينا الآن إيماناً خالصاً، لدينا تامر وجيه ومحمد نعيم وعمرو عزت وبلال فضل وبلال علاء والكثير الكثير، كيف نشقى وهم بيننا.
ياصديقي حينما نقول ثورة لا نقف كثيراً للسؤال عن المصير، هذا هو إيماني وكما قلت لا يبدو عقلانياً، ولكن لا نملك خياراً آخر.
ياصديقي لقد ظننا من قبل أن الدبابة تواجه بحجر، ووقفنا نفعل مانفعله لأيام، فلا تحدثني عن المنطق هنا.
ياصديقي فيلم الخيال الجيد هو الفيلم الذي يشعرنا بأنه ممكن الحدوث، برأيك لماذا نشاهد أفلام الخيال؟.
ياصديقي أرجوك توقف عن عقلانيتك المفرطة لأنها تصيبني بالجنون، عقلانيتك لا تذهب بنا إلا إلى نهايات لا نرضى أن يكون مسعانا لقاءها.
صديقي محمد تحلى ببعض الجنون الذي يكفيك لتؤمن أن الحل رومانسي.
روابط ذات صلة:
ما قاله المقاتل لرفيقه