عمل رقابى اعتيادى
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
السبت 16 يناير 2016 - 11:10 م
بتوقيت القاهرة
دستوريا وقانونيا، يضطلع الجهاز المركزى للمحاسبات بمراقبة أعمال المؤسسات والأجهزة الإدارية للدولة ويتمتع بوضعية الجهة الرقابية المستقلة. تخاطب تقارير الجهاز السلطة التنفيذية (الحكومة)، وتذهب بهدف تنسيق جهود مكافحة الفساد وتعقب الفاسدين إلى جهات رقابية أخرى (كهيئة الرقابة الإدارية وهيئة النيابة الإدارية وغيرهما)، ويعرض التقرير السنوى للجهاز على السلطة التشريعية ويحق للأخيرة مخاطبة الجهاز بشأن تقارير وبيانات إضافية دون أن يعنى ذلك خضوعه للرقابة البرلمانية.
وكأن مصر قد خلت من الانحرافات الدستورية والقانونية، لكى يصطنع البعض انحرافا حادا عبر التشكيك العلنى فى دور ونزاهة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات المستشار هشام جنينة وتهيئة المجال العام «لاصطياده» إعلاميا.
ليس بغير اعتيادى، أولا، أن تأتى تقارير أو بيانات أو تصريحات رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات حاملة لأرقام بشأن الفساد وكلفته. ليس بغير اعتيادى، ثانيا، أن تجد كل أو بعض هذه الأرقام سبيلها إلى المواطن، فهو صاحب الحق الأصيل فى التثبت من خلو المؤسسات والأجهزة الإدارية من الفساد، وفى التيقن من جديتها فى مكافحته حال حضوره وتعقبها لمستغلى المنصب العام من الفاسدين. ليس بغير اعتيادى، ثالثا، أن يثور التنازع بين بعض المؤسسات والأجهزة الإدارية بشأن خلفيات وتفاصيل كل أو بعض هذه الأرقام وكذلك بشأن السبل الأفضل لمكافحة الفساد، خاصة فى ظل ثنائية تشعب الفساد وتعدد الجهات الرقابية فى مصر. الأولوية، حين يثور مثل هذا التنازع، هى لإدارته على نحو فنى – أى تعويلا على الحقائق والمعلومات، ومحايد – أى دون تورط فى التسييس، وشفاف – أى دون تشكيك فى مصداقية ونزاهة الجهات الرقابية، وموضوعى – أى دون استدعاء للأحاديث الخائبة عن النوايا والمؤامرات.
لكافة هذه الأسباب، لم يتجاوز المستشار هشام جنينية نطاق اختصاصه ومسئوليات وظيفته حين حملت بعض البيانات التى أعلنها أخيرا أرقاما محددة بشأن الفساد وكلفته. وبمعزل عن عملية الاصطياد الإعلامى للمستشار جنينة التى أحاطت به، لا يعد تجاوزا أن تشكل لجنة حكومية تضطلع بتحرٍ إضافى لخلفيات وتفاصيل أرقام الجهاز المركزى، وتتقصى المزيد من الحقائق والمعلومات. ولا يمثل إخلالا بقواعد دستورية أو قانونية مستقرة أن تراجع جهات رقابية أخرى أرقام الجهاز المركزى وأن تحلل مصداقيتها باستقلالية، بعيدا عن نفوذ مؤسسات وأجهزة إدارية بعينها وعن ضغوط التسييس. ويحق للسلطة التشريعية، بغض النظر عن تشوهات واختلالات تكوينها، مناقشة أرقام وبيانات وتقارير الجهاز المركزى. وإطار ذلك هو «تمثيل البرلمان للصالح العام» (بين علامتى تنصيص بسبب تشوهات واختلالات البرلمان الحالي)، وليس اضطلاعه بمهامه الرقابية – فالجهاز المركزى غير خاضع لأعمال الرقابة البرلمانية.
غير أن التجاوز والإخلال رتبهما إقصاء المكون الفنى للتنازع بشأن أرقام الفساد التى أعلنها المستشار جنينة. ثم تسييس الأمر برمته فى النقاش العام بإخضاعه لتباينات مؤيدى الحكم ومعارضيه، وإخراج المستشار جنينة تجنيا ودون مسوغ بعيدا عن دائرة الاستقلالية والحيادية التى يكفلها له الدستور ويضمنها له القانون بتصنيفه السياسى فى خانة المعارضين – ولو صنف فى خانة المؤيدين، لكان فى ذلك أيضا ذات التجنى. ثم توظيف النقاش العام المشوه للتشكيك فى دور ونزاهة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات والتنكيل به، عوضا عن التعامل بعقلانية ورشادة مع تنازع اعتيادى بين الجهات الرقابية داخل دولاب الدولة الواحدة.
أتمنى أن يتوقف التشكيك فى استقلالية وحيادية المستشار هشام جنينة، وأن يستعيد النقاش حول أرقام الفساد التى أعلنها مكونه الفنى وطبيعته الاعتيادية.