الفكاهة

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: السبت 16 فبراير 2019 - 11:35 م بتوقيت القاهرة

من حين لآخر ينظم مركز تطوير التعليم بالجامعة التي أعمل بها محاضرات متعلقة بالعملية التعليمية مثل كيفية إدارة مناقشة في قاعات المحاضرات أو كيفية التعامل مع الطلبة الضعاف علمياً وما شابه، كنت أحضر بعض هذه المحاضرات عندما أجد الموضوع مهماً بالنسبة لي إما بدافع تحسين تدريسي (وهي عملية تمتد مادمت مازلت ألقي محاضرات مهما بلغت درجتي العلمية) أو بدافع الفضول، في محاضرتين على الأقل من تلك المحاضرات تم طرح موضوع الفكاهة وكيف أنها من أهم أدوات الأستاذ بل وتمت مناقشة مواقف مثل ماذا تفعل إن ألقيت نكتة أثناء المحاضرة ولم يضحك أحد!

 منذ عدة سنوات فازت إحدى الطالبات التي تعمل تحت إشرافي في البحث العلمي بإحدى الجوائز عن أحد الأبحاث التي عملنا بها، البحث كان جيداً ولكن الأبحاث المقدمة في ذلك المؤتمر كانت جيدة أيضاً وأعتقد أن السبب الذي رجح فوزها هو عدد الساعات الكثيرة التي دربتها على كيفية إلقاء البحث وكيف تتحكم في نبرة صوتها وكيف تتحرك أثناء إلقاء البحث ومتى وكيف تلقى بنكتة!

 إذا فموضوع الفكاهة ليس بالشئ التافه بل له أهمية قصوى في مواقف عدة داخل الجامعة وداخل المعامل البحثية وداخل الشركات بل وفي الحياة العامة.

 الفيزيائي العظيم الحاصل على جائزة نوبل ريتشارد فاينمان كان يتمتع بحس فكاهي كبير تراه أثناء إعطائه المحاضرات أو أثناء عمله في البحث العلمي وحتى أثناء عمله في مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة الذرية في أمريكا أثناء الحرب العالمية الثانية، ألبرت أينشاتين أيضاً كان يتمتع بحس فكاهي كبير قد نشعر به في صورة شهيرة له وهو يبتسم ويخرج لسانه! الأمثلة كثيرة جداً عن العلماء الكبار الذين يتمتعون بحس الفكاهة، إذاً فالموضوع يحتاج دراسة.

 في عدد مايو 2015 من مجلة علوم الإدارة الأشهر Harvard Business Review مقال بعنون "القيادة بالفكاهة أو "Leading with Humor” يوجد بها عدة نقاط مهمة، منها أن المقال يشير إلى أبحاث عديدة أجريت على الضحك ووجدت أن الضحك يقل كلما كبرنا في السن فالأطفال تضحك في المتوسط 400 مرة في اليوم بينما الشخص فوق سن الخامسة والثلاثين يضحك في المتوسط 15 مرة فقط! إذا فعندما نخوض معترك الحياة ونواجه المشاكل اليومية يكثر الضغط النفسي وبالتالي تقل الفكاهة، إذا كنت تقود فريقاً بحثياً أو تعمل مديراً في شركة فإن إدخال الفكاهة في الحياة اليومية مع فريقك يقلل الضغط ويجعل الفريق متحمس أكثر للعمل بحسب المقال، لكن المقال يحذر من شيء مهم وهو أن إحتمال الفشل في الفكاهة (أي أنك تحاول أن تلقي بنكتة أو تصنع شيئاً فكاهياً ولكن من حولك لا يرونه كذلك) أكثر من إحتمال نجاحه وكثرة الفشل في الفكاهة قد تأتي بنتيجة عكسية، وهذا يطرح سؤالاً مهماً هل الحس الفكاهي موهبة أو هو مهارة يمكن تعلمها؟

 الحس الفكاهي يأتي عادة من طريقة التربية (أي أن الأسرة لها دور كبير) والثقافة التي يعيش فيها الشخص، بعد ذلك تأتي بعض التمارين التي تزيد من مهارة الحس الفكاهي مثلها مثل مهارات الإلقاء والكتابة لذلك تجد الكثير من مديري الشركات الكبيرة يعينون من يساعدهم ويدربهم على الإلقاء ومن ضمن مهارات الإلقاء الحس الفكاهي، ما يأتي عن طريق الجينات هي القابلية للفكاهة مثلها مثل الشخص الاجتماعي والشخص المنطوي.

أهم نقطة تتعلق بالفكاهة ألا تستخدم ثقافة معينة في النكتة أو الفكاهة إذا كنت تتحدث مع فريق من ثقافات مختلفة وهذا موجه لمن يعمل في فريق بحثي دولي أو في شركة متعددة الجنسيات لأن ما تراه ثقافة ما شيئاً فكاهياً قد لا تراه ثقافة أخرى كذلك.

 من أفضل الكتب التي تتحدث عن الفكاهة باللغة العربية كتاب "الفكاهة والضحك: رؤية جديدة" للدكتور شاكر عبد الحميد، ظهر الكتاب أولاً في سلسلة عالم المعرفة ثم في سلسلة مكتبة الأسرة سنة 2015، كما أن هناك دراسة مهمة في سلسلة التراث والتغير الاجتماعي بعنوان "الفكاهة وآليات النقد الاجتماعي" تأليف الدكاترة شاكر عبد الحميد ومعتز سيد عبد الله وسيد عشماوي.

 طبعاً نحن في مصر نعتبر دولة عظمى في الفكاهة (والسخرية ولكنها مختلفة عن الفكاهة) قد أكون متعصباً قليلاً ولكن نحن نتمتع بأخف دم وسط دول العالم وقد تعاملت مع جنسيات عدة تختلف فيما بينها في الحس الفكاهي ونتذكر هنا مقولة بن خلدون عن أهل مصر وحبهم للفكاهة والضحك إذ يقول "وكأنهم فرغوا من الحساب"!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved