المصريون فى الخارج

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: الأحد 16 مارس 2014 - 6:40 ص بتوقيت القاهرة

نشأت فى الأسبوع الثانى من مارس فكرة فرض ضريبة فى شكل مبلغ مقطوع على المصريين العاملين بالخارج، ضريبة تسهم حصيلتها فى مساندة المالية العامة والاقتصاد المصرى فى الأوقات العصيبة الحالية التى يمرَان بها. القكرة لم تثمر لحسن الحظ، وكان من أسباب ذلك أن الفكرة أثيرت من قبل وتبيَن عدم دستوريتها إذ إنها تؤدى إلى ازدواج ضريبى. مثل هذا الاستقطاع من دخل المصرى فى الخارج هو ضريبة على دخله المتأتى من عمله أو من غيره من أنشطة اقتصادية، وهو دخل يؤدى عليه ضريبة بالفعل فى بلد الهجرة والعمل.

ولكن خفوت الفكرة بنفس سرعة ظهورها لا يعفى من ضرورة مناقشتها، بل لعل نشأة الفكرة مناسبة طيبة لمناقشة بعض من جوانب مسألة المصريين العاملين والمقيمين بالخارج، وأول هذه الجوانب ذلك الخاص بمساندتهم للاقتصاد المصرى فى عثرته الحالية، بل وفرض تلك المساهمة عليهم. حقيقة الأمر أن المصريين فى الخارج لا يحتاجون لا إلى فرض ولا إلى حث لكى يساهموا فى الاقتصاد المصرى. تحويلاتهم المالية إلى أسرهم وذويهم تتحدث عن نفسها. كان إجمالى هذه التحويلات 10.5 مليار دولار فى السنة المالية 2009 ــ 2010، ثم ارتفع بعد ثورة يناير إلى 12،8 مليار فى 2010 ــ 2011، ثم إلى 18.4 مليار دولار فى 2011 ــ 2012 وإلى 20 مليار دولار فى سنة 2012 ــ 2013 مثلت 7.5% من الناتج المحلى الإجمالى. تحويلات المصريين فى الخارج، بدون فرض ولا حث، حيث إنه لا توجد سياسة حقيقية ومتكاملة لتشجيع التحويلات واجتذابها وحسن استخدامها، تحويلاتهم قفزت بنسبة 90% فى ثلاثة أعوام هى أعوام الثورة واختلال الأمن والتباطؤ الاقتصادى الناشئ عن فترة انتقالية مضطربة. المصريون فى الخارج عوَضوا مصر عن جانب كبير من الدخل الذى فقدته من جراء أحداث السنوات الثلاث الأخيرة. بعد انحسار السياحة وأزمتها وانهيار الإيرادات المتولدة عنها، صارت تحويلاتهم أول مصادر العملة الصعبة فى مصر. فإذا حسبنا تحويلات المصريين فى الخارج مقارنة بالمصدرين الآخرين للتحويلات الخارجية وهما المعونة الرسمية للتنمية والاستثمار الأجنبى المباشر، نجد أنه باستثناء الفترة ما بين 2004 و2008 التى كان الاستثمار الأجنبى المباشر خلالها أول المصادر، وإن بفارق ضئيل، كانت تحويلات المصريين فى الخارج هى دائما الأعلى، بما فى ذلك فى آخر سنتين لحكومة الدكتور أحمد نظيف التى لم تبخل بالحوافز على الاستثمار الأجنبى المباشر.

الأمر إذن ليس عدم دستورية فرض ضريبة فحسب، بل هو أمر اعتراف بمساهمات المصريين فى الخارج الذين لم ينتظروا أوصياء ليحولوا إلى بلدهم أجزاء هى الأكبر من الأجور التى يحصِلونها مقابل جهدهم وعملهم. هذه التحويلات تذهب إلى مصريين يضيفونها إلى دخولهم الزهيدة فيقضون بها حاجاتهم، وينفقونها على التعليم والعلاج. التحويلات تنقذ الأسر المستفيدة بها من الفقر؛ هى لا تستطيع أن تحل مشكلة الفقر كلها فى مصر ولكنها على الأقل تحول دون أن تصيب آفتها الأسر المستفيدة. وللتحويلات آثار مضاعفة فهى ترفع من مستوى الطلب الكلى وهو ما ينشط الاقتصاد فيعمل الناس فى الإنتاج والتوزيع ويستفيدون بذلك بشكل غير مباشر من التحويلات المالية إلى أسر المصريين العاملين والمقيمين فى الخارج. وميزانية الدولة كذلك مستفيدة هى الأخرى إذ تدخل فى إيراداتها حصيلة الضرائب على الأنشطة التى تمولها تحويلات المصريين فى الخارج والتى ما كان لها أن تنشأ بدون هذه التحويلات. المصريون فى الخارج مجتهدون، جادون فى عملهم، وأصحاب مبادرة، وهم خلافا للفكرة الشائعة عنهم، يجيدون التصرف فى مدخراتهم، يلبُون بها احتياجاتهم، ويساعدون أسرهم، وينشِطون اقتصاد بلدهم.

•••

الأغلبية الساحقة من المصريين فى الخارج هاجروا للعمل بشكل مؤقت، أو للإقامة والعمل بشكل دائم، مضطرين إلى ذلك. هم لم يجدوا فى مصر فرصا للعمل اللائق المجزى الذى يمكنهم من تلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم، أو لم يعثروا فيها على عمل يسمح لهم بالارتقاء المهنى وتنمية علمهم وتحقيق ذواتهم. هذا تقصير من جانب النظامين السياسى والاقتصادى فى حق مواطنين مصريين، ولكن بدلا من تعويضهم عنه، بحمايتهم فى الخارج ورعايتهم، يخرج نفر من الناس علينا باقتراح فيه شبهة استغلال مصر أسمى منه. أكثر من مسح أجرته جهات بحثية مصرية وأجنبية تكشف عن أن رغبة الشباب المصرى فى الهجرة بعد بناير 2011 لم تزدد عما كانت عليه قبل هذا التاريخ. المصريون الشباب يبغون العيش فى مجتمعهم وأن يزدهروا فيه وأن يساهموا فى تنميته، فإن لم يستطيعوا فإن الهجرة لابدَ ستكون واحدة من الحلول التى سيلجأ إليها الكثيرون منهم. هم لن يقطعوا بمصر، لأنهم سيرسلون مدخراتهم إلى ذويهم وإلى الاقتصاد المصرى الأوسع، وسيعود أغلبهم إليها يوما مزوَدين بمدخرات جمعوها وبمعارف وخبرة اكتسبوها يسهمون بها جميعا فى رفع كفاءة العملية الإنتاجية، وفى التنمية فى مصر. ولكن الدولة المصرية لا يمكن أن تترك المواطنين وشأنهم فى البلدان التى يعملون بها أو أن تكتفى بالقليل الذى تفعله أجهزتها من أجلهم. لا بدَ للدولة أن توفر أسباب المساندة والحماية والرعاية للمصريين العاملين فى الخارج. السبيل لتحقيق ذلك هو برسم سياسة لحماية المصريين فى الخارج ورعايتهم، وبتنفيذها بفاعلية وكفاءة. الإجراءات المكونة لهذه السياسة متعددة، وبعضها وإن كان موجودا فهو ضامر يعجز عن تحقيق كل أهداف السياسة المبتغاة. قد يكون أول الإجراءات هو حماية المصريين عند التعاقد معهم ففى عالم الاستخدام الخارجى، فى مصر وفى غيرها، تكثر حالات الخداع والاحتيال بمختلف صورهما. ومن الاجراءات التى ينبغى التوسع فيها مساندة المصريين وحمايتهم فى مناطق تجمعهم فى الخارج وتخصيص الموارد البشرية والمالية، الكافية لهذه المساندة والحماية، والتى تتناسب وأعداد المصريين فى مناطق التجمع المختلفة. المساعدة القضائية للمصريين المحتاجين، وتسهيل الإجراءات المدنية لهم ولأسرهم من الإجراءات المطلوبة كذلك. وإجراء المسوح الإحصائية الدورية من أجل التعرف على تطور أعداد المصريين فى الخارج وخصائصهم السكانية والتعليمية والمهنية من مكونات السياسة وأدواتها أيضا. وطالما كان المتوقع هو استمرار المصريين فى البحث عن فرص عمل بالخارج، فلا أقل من أن تدرس الدولة تطور الطلب على العمل فى أسواق العمل الخارجية وأن تصوغ سياستها التدريبية، وربما التعليمية كذلك، على ضوء توقعات الطلب فى المستقبل. ليست هذه دعوة لتشجيع الهجرة من أجل الاستخدام الخارجى، حلا لمشكلة التشغيل فى مصر، لأن هذا الحل يكمن فى مصر وحدها. لا يمكن لأى أسواق خارجية أن تستوعب ما سيصل قريبا إلى المليون المنضمين الجدد سنويا إلى سوق العمل فى مصر، كما إن ذلك ليس مطلوبا حتى لو كان ممكنا. المصريون ينبغى أن تتاح لهم فرص البقاء والعمل المجزى فى مصر والمساهمة بشكل كفؤ وفعال فى عملية التنمية فيها، فلا معنى إطلاقا لأن يبقى الاقتصاد المصرى متخلفا بينما يشارك المصريون فى تحقيق التقدم، أو فى المحافظة عليه، فى بلدان أخرى. وسياسة رعاية المصريين فى الخارج ينبغى أن تشمل كذلك توسيع قنوات المشاركة السياسية أمامهم، بما فى ذلك تمكين أكبر عدد منهم من الإدلاء بأصواتهم فى الانتخابات والاستفتاءات، بل ومن الاشتراك فى إدارة الشئون العامة عن طريق تولِى المسئوليات السياسية.

•••

عندما يدرك المصريون فى الخارج أن بلدهم يعنى بهم ويوثق علاقتهم به فعليا وبشكل ملموس، وعندما يشتركون فى إدارة شئونه العامة، سيرتفع مستوى مساهماتهم فى اقتصاد بلدهم أكثر مما هو مرتفع بالفعل، دون حاجة إلى وصاية أو إلى ضريبة تفرض عليهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved