عن لحظات الفرز وأوهام تراجع لم يحدث (2)

عمرو حمزاوي
عمرو حمزاوي

آخر تحديث: الخميس 16 أبريل 2015 - 10:11 ص بتوقيت القاهرة

على الرغم من المعارضة المشروعة للحركة الديمقراطية فى مصر لبعض مواد دستور 2014 ــ من إجازة محاكمة المدنيين عسكريا إلى الوضعية الاستثنائية للمؤسسة العسكرية فى بنية الدولة، وعلى الرغم من نقد الحركة الديمقراطية المشروع لبعض تفاصيل الإدارة الحكومية لعملية الاستفتاء على الدستور التى اتسمت بالتوظيف الأحادى والكثيف للإعلام لفرض موقف واحد على المواطن (هو التصويت بنعم) وأظهرت انتهاكات لحرية المواطن فى التعبير العلنى عن الرأى (إلقاء القبض آنذاك على عدد من المواطنين الذين حملوا ملصقات تدعو إلى التصويت بـ«لا» فى الاستفتاء.
وغياب الرأى الآخر عن المساحات الإعلامية)؛ إلا أن تنظيم الاستفتاء على الدستور والتصويت بنعم من قبل أغلبية المواطنات والمواطنين الذين شاركوا فى الاستفتاء منحا معا ترتيبات الحكم / السلطة التالية لـ3 يوليو 2013 إطارا من المشروعية القانونية وترجما إجرائيا تأييد قطاعات شعبية مؤثرة لها إلى إقرار واعتماد للوثيقة الدستورية. كما أن المواقع المتقدمة التى انتقل إليها دستور 2014 فى الكثير من قضايا الحقوق والحريات الشخصية والمدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقارنة بالوثائق الدستورية الأسبق، سرعان ما خلقت بين دعاة الديمقراطية حالة من التعويل الإيجابى على الدستور وأسست لاستدعائه المتكرر بهدف المطالبة بإيقاف بعض انتهاكات الحقوق والحريات وإنهاء الإفلات من العقاب. هنا، وفى لحظة الفرز الدستورية هذه، لم يكن أخلاقيا صائبا أو مجتمعيا ممكنا للحركة الديمقراطية فى مصر الامتناع عن الاعتراف بالنتائج التى رتبها إقرار دستور 2014، ولا التنكر للمواقع المتقدمة التى انتقلت إليها بعض المواد الدستورية ــ بالقطع دون إسقاط لمعارضتها المبدئية لمواد أخرى.

كذلك، وعلى الرغم من الرفض المشروع لاحتشاد منظومة الحكم / السلطة لتمرير انتخاب المرشح صاحب الخلفية العسكرية فى الانتخابات الرئاسية ومجددا للتوظيف الأحادى للإعلام لفرض رأى واحد على الناس مفاده تأييد «مرشح الضرورة» ولإلغاء مرتكزات الإدارة التعددية للعملية الانتخابية التى كانت تستدعى الرأى والرأى الآخر والنقاش المتنوع حول برامج المرشحين (لم يكن لمرشح الضرورة برنامج) ومجال عام تحضر به ضمانات سيادة القانون ولا يأن تحت وطأة القمع والانتهاكات وحملات تخوين المعارضين الذين لم ينضوا فى خانات التأييد وهيستيريا العقاب الجماعى ومن ثم يمكن المواطن من ممارسة حقه فى التعبير عن الرأى وفى الاختيار دون خوف، كان على الحركة الديمقراطية إدراك أن إجراء الانتخابات الرئاسية منح ترتيبات الحكم / السلطة التالية لـ3 يوليو 2013 إطارا إضافيا من المشروعية القانونية وتعبيرا جديدا عن تأييد قطاعات شعبية مؤثرة لها وللرئيس المنتخب ــ قطاعات شعبية بدت غير مكترثة بالانتهاكات وبغياب الجوهر الديمقراطى وبطغيان الفكرة الوصائية المدارة رسميا وأمنيا وبإلغاء الحق فى الاختيار الحر، قطاعات شعبية عبرت ومازالت عن دعم حقيقى للحكم / السلطة.

هنا، منظورا إليها بحسابات نتائج لحظتى الفرز المرتبطتين بالاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية 2014، لم يكن أمام الحركة الديمقراطية سوى مواصلة العمل السلمى على استعادة مسار ديمقراطى حقيقى ومقاومة الوضعية السلطوية الجديدة، سوى الانتقال إلى فعل ذلك بالاشتباك من داخل إطارات المشروعية القانونية التى منحها الدستور ومنحتها الانتخابات الرئاسية لترتيبات الحكم / السلطة، سوى إنتاج خطاب علنى يقدم بوضوح صياغة لشروط التحول الديمقراطى ويجر الخطوط الفاصلة بينها وبين أحاديث «إسقاط النظام» التى تتجاهل قبوله الشعبى وتتعامل باستهتار بالغ مع التداعيات الكارثية على المواطن والمجتمع والدولة لانهيارات جديدة، سوى المزج بين شروط الانتصار لسيادة القانون وإيقاف الانتهاكات وإنهاء الإفلات من العقاب وإحياء السياسة كنشاط سلمى وحر وتعددى وإقرار منظومة للعدالة الانتقالية وتمكين المواطن والمجتمع المدنى من الوجود الحر فى المجال العام وبين الاشتباك الإيجابى مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والاهتمام المنظم بالسياسات العامة والخطط التنموية وترجمة هداف التقدم والعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف الناس المعيشية إلى نقاش فى الإجراءات الممكنة. وهنا، لم يحمل حسم الحركة الديمقراطية لاختياراتها أبدا شبهة التراجع، بل أظهر قدرتها على رؤية التفاصيل الكثيرة الضرورية لاستعادة مسار ديمقراطى وتنموى ضامن لتماسك المجتمع والدولة.

غدا أتابع، غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.


مقالات متعلقة:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved