من أجل طالب

سيد محمود
سيد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

أمور كثيرة تحدث داخل بعض البلدان الشقيقة، علينا النظر إليها باعتبارها شأنًا داخليًا، لا يجوز التدخل فيه أو التعليق عليه، لكن الخبر الذى نشرته الجريدة الرسمية فى الكويت قبل يومين بشأن سحب الجنسية الكويتية من الروائى طالب الرفاعى وآلاف غيره أثار الكثير من ردود الأفعال، إذ دعا مثقفون عرب الحكومة هناك إلى إعادة النظر فى موقفها من الرفاعى وغيره من المبدعين الذين رفعوا اسم الكويت فى مناسبات عديدة.


وشأن كثيرين غيرى، وجدت فى الخبر أسبابًا تدعو للحزن والألم، فليس أقسى من أن يصحو المرء من النوم فى بلده الذى وُلد فيه وعاش، فيجد نفسه فجأة بلا جنسية.


لم تكن ردود الأفعال التى أدهشها القرار سوى استفتاء جديد على المحبة التى يحملها الجميع لطالب الرفاعى، الذى يفتح بيته لكل مثقف ومبدع عربى، وهو كاتب أخلصت أعماله فى التعبير عن سمات المجتمع الكويتى وخصائصه وقضاياه، بحيث أصبحت مرآة صادقة لما عاشه هذا المجتمع من تحولات.


عرفته منذ عام 2001، فى أول رحلة عمل قمت بها إلى دمشق لحضور مهرجان المدى الثقافى، إذ كان هناك بصحبة الدكتور محمد الرميحى، وقت أن كان أمينًا عامًا للمجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، ومعه الصديق أنور الياسين والروائية الرائدة ليلى العثمان، لكن صلتى بطالب تعمقت أكثر بعد أن دعانى الصديق الراحل عبده جبير للكتابة فى جريدة «الفنون» التى كانت تصدر عن المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، وكان الرفاعى مشرفًا على إصدارها، وجبير مستشارًا لتحريرها.


لا أنسى أبدًا اتصال الرفاعى بعد ساعة من وفاة الفنان بهجت عثمان، مقترحًا أن أتولى الكتابة عنه للجريدة، وخلال هذا الاتصال أدركت صلته العميقة بالثقافة المصرية ورموزها، وتأكد لدىّ هذا الإحساس بعد أن رافقته، على امتداد السنوات، فى جلسات كثيرة مع الفنانين الكبيرين حلمى التونى وعادل السيوى، وصديقه الراحل القاص سعيد الكفراوى، والمهندس إبراهيم المعلم، ناشر مؤلفاته فى مصر. كما منحنى شرف المشاركة مع مجموعة من الأصدقاء فى إطلاق جائزة الملتقى للقصة القصيرة، وكتابة لائحتها التنفيذية، وعضوية أول مجلس لأمنائها.


وعلى الرغم من هذه الصداقة، فإننا اختلفنا فى تقدير بعض الأمور التى رافقت رئاسته للجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2010، وعبرت عن هذا الاختلاف كتابة، لكنه تجاوز الخلاف، وزاد من تقديرى له احترامُه أسبابه، بحيث لم يؤثر ذلك أبدًا على مستوى صداقتنا وظل بيته مقصدًا فى كل زيارة أقوم بها للكويت.


خلال السنوات الأخيرة تفرغ الرفاعى للكتابة وتقاعد من الوظيفة لكنه تحول من كاتب فرد إلى مؤسسة ثقافية متكاملة، وقدم لبلاده وللثقافة العربية جائزة الملتقى للقصة القصيرة، التى أعادت خلال فترة وجيزة الاعتبار لهذا الفن الرفيع واستردت مكانته المرموقة.


كما استعادت الجائزة الصورة التى نحبها للكويت، البلد الذى قدم للثقافة العربية خدمات جليلة وصلت إلى كل بيت فى عالمنا العربى من المحيط إلى الخليج، ولهذا السبب يشعر كل قارئ عربى بأنه يدين فى تكوينه لمجلات «العربى» و«عالم الفكر» و«الثقافة العالمية» و«العلوم»، ولسلاسل راسخة مثل «عالم المعرفة» و«إبداعات عالمية».


بفضل هذه المطبوعات، وبفضل السياسات الثقافية التى اتُّبعت هناك، اكتسبت الكويت قيمة لم يحظَ بها أى بلد نفطى آخر. ومن ثم، لدى كل مثقف أمل فى المحافظة على استمرارية هذا الدور ومقاومة محاولات انحساره، فالاستدامة شرط من شروط التنمية الصحيحة، والثقافة فعل يقوم على التراكم، ومما لا شك فيه أن أهم ما يمكن لبلد أن يفعله هو أن يستثمر فى مبدعيه الناجحين.


وعندما ننظر حولنا، نرى الكثير من الدول تمنح جنسيتها للاعبين أو لعلماء وفنانين لم يولدوا أو يعيشوا على أراضيها، وما نتمناه أن يحظى المبدعون فى الكويت بهذا الحق، وأولهم العزيز طالب الرفاعى، الذى أسعده تضامن كل مثقف عربى معه، لأنه جدير بهذا التضامن والمؤكد أن أى تضامن معه هو تضامن مع الكويت التى نحب ونأمل أن تبقى دائمًا فى ازدهار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved