على ظهر السفينة.. ما لا يكتبه المؤرخون
سمير عمر
آخر تحديث:
الأحد 16 أغسطس 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
فى صيف عام 2006 شاركت فى جولة بحرية نظمتها مؤسسة السلام الأخضر «جرينبيس» لإنقاذ أسماك التونة ذات الزعانف الزرقاء فى البحر المتوسط، كان الوفد الصحفى يضم صحفيين من جنسيات متنوعة وكنت ومعى زميل صحفى لبنانى - كان اسمه «فيدل»- العربيين الوحيدين ضمن الوفد، إلى جانب منسقة الرحلة الزميلة بسمة بدران التى تحمل الجنسية اللبناينة أيضا.
التقينا جميعا فى مدينة لارناكا القبرصية استعدادا لانطلاق الرحلة على ظهر سفينة تابعة للمنظمة، لنبدأ الجولة التى قادتنا إلى شواطئ عدة بلدان تطل على البحر المتوسط ، قبل أن ترسو السفينة فى ميناء بورسعيد استعداد لمواصلة الرحلة إلى البحر الأحمر.
المهم : كانت الرحلة ممتعة بالنسبة لى من عدة أوجه، أهمها هى الفرصة التى أتاحتها لى الإقامة على ظهر السفينة لنحو أسبوع، والأمسيات التى جمعتنى بالصحفيين المشاركين ، والتى أخذتنا للحديث عن كل شىء من قضايا التغير المناخى إلى سيطرة رءوس الأموال العابرة للحدود على ثروات الشعوب وتأثير مشروعاتها على سلامة البيئة خاصة فى البلدان النامية، مرورا بالفنون والآداب والتاريخ والسياسة.
فى إحدى تلك الليالى دار الحديث عن الموسيقى والغناء، فتحدثت عن سيدة الغناء العربى أم كلثوم – عرفها اثنان من الصحفيين من نحو عشرين صحفيا أجنبيا - وأسمعتهم مقاطع من أغنية «ألف ليلة وليلة» وتحدثت معهم عن الشاعر مرسى جميل عزيز والموسيقار بليغ حمدى إلى جانب الحديث عن أم كلثوم بالطبع، وساعدتنى فى الحديث الزميلة بسمة بدران
استقبل الجميع موسيقى بليغ وغناء أم كلثوم بسعادة غامرة منحتنى شعورا بالفخر شاركنى فيه «فيدل وبسمة».
وسرعان ما انتقل الحديث إلى مصر وتاريخها وتأثيرها فى محيطها، سألنى أحد الصحفيين الأمريكيين فى تلك الأمسية قائلا: أنا أعرف الرئيس «ناصر» الذى قاد حركة التحرر فى مصر وإفريقيا، وأعرف الرئيس «السادات» الذى قاد الحرب ضد إسرائيل ثم عقد معها معاهدة السلام ، لكننى لا أعرف كثيرا عن الرئيس المصرى الحالى – حاول تذكر اسم الرئيس مبارك فساعدته – لم تعجبنى طريقته فى الحديث، ورغم أننى كنت من المعارضين للرئيس مبارك إلا أننى تحدثت عنه بشكل إيجابى جدا، وأضفت أن هناك مشكلة فى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما فيما يتعلق بمعرفة البلدان العربية، لأنهم يعتبرون أنفسم مركز الكون وما عداهم هوامش لا يقرأون عنها ولا يتابعون أخبارها ، كنت حادا فى كلامى إلى الحد الذى دفع الصحفى الأمريكى إلى الاعتذار وقال: أنا لم أقصد الإساءة لكننى بالفعل لا أعرف كثيرا عن الرئيس مبارك ومصر فى السنوات الأخيرة، انتهت تلك الأمسية وظل الرجل يداعبنى كلما رآنى ويسألنى بابتسامة: ماذا ستخبرنى عن مصر ورئيسها هذه المرة
كنت استدعى هذه القصة كلما جمعنى لقاء بزملاء من الصحفيين الأجانب، حتى جاءت ثورة 25 يناير لتخبر العالم كله عن مصر ورئيسها الذى أُجبر على التخلى عن الحكم، ثم كانت شهور ما بعد رحيل مبارك والثورة على حكم الإخوان ، وما حملته السنون التى تلت ثورة الثلاثين من يونيو
ما دفعنى لتذكر هذه الواقعة وما بعدها هو الجدال والسجال المخيف الذى تشهده وسائل التواصل الاجتماعى منذ فترة بخصوص تاريخ مصر الحديث، والذى بات للأسف هدفا لحملات تشويه متعمدة من بعض الدوائر التى أجزم بأنها لا تريد بمصر وتاريخها ومستقبلها خيرا، والتى للأسف تجد ردات فعل غاية فى الغرابة من كتاب وسياسيين مصريين، تزيد مواقفهم وآراؤهم الأمور تعقيدا مخيفا يصل فى بعض الأحيان إلى حد المشاركة فى حملات التشويه الممنهجة.
إن تاريخ مصر ملك لأبنائها جميعا، لكنه أيضا - ولأنها مصر العظيمة - يؤثر فى محيطها العربى والإقليمى، ولا أبالغ إن قلت إنه يتسع ليشمل فى كثير من الأحيان العالم بأسره، لذا فإن مهمة كتابة تاريخ مصر ، مهما اختلفت المواقف وتباينت الرؤى وتعددت وجهات النظر، يبقى واجبا وطنيا ينبغى أن تضطلع به مؤسسات الدولة بأمانة ونزاهة تاريخية.
إن سذاجة الهواة ، وعبث الجهلاء ، وتخاريف أصحاب المصلحة، ومؤامرات الأعداء، يمكن أن تدمر ذاكرة الأمة وتزيف وعى أبنائها ، لذا فإن التصدى لكل هؤلاء يعد التزاما أخلاقيا وواجبا وطنيا على الجميع وفى مقدتهم مؤسسات الدولة التى عليها أن تتصدى لهذه المحاولات وتقدم جهدا علميا موثقا يرد على تلك الحملات .
أعرف أن تاريخ مصر شهد العديد من محاولات توثيق ما شهدته مصر فى عصرها الحديث، بأمانة ونزاهة، وأن لجان تاريخ مصر والمصريين أخرجت مئات الكتب وحققت مئات المذكرات لتحفظ ذاكرة الأمة، لكن كل هذا الجهد رغم أهميته يحتاج للمزيد ليكون قادرا على مواجهة «هوجة السوشيال ميديا» التى كادت أن تزيف تاريخنا لتدمر حاضرنا ومستقبلنا.