الجمهور الإسرائيلى يدعم تدمير الرعاية الصحية الفلسطينية

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الأحد 16 أغسطس 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة هاآرتس الإسرائيلية المعارضة مقالا للكاتبة أميرة هاس، تنتقد فيه التواطؤ الجمعى والمؤسسى داخل المجتمع الإسرائيلى فى تدمير منظومة الرعاية الصحية والخدمات الأساسية الفلسطينية، واعتبار «القتل البطىء» وقطع سبل الحياة عن الفلسطينيين سياسة مشروعة ومقبولة شعبيًا.. نعرض من المقال ما يلى:

تُساند أغلبية الشارع اليهودى فى إسرائيل حرمان المرضى الفلسطينيين من العلاجات الحيوية، وبالتالى تفاقم معاناتهم. ويأتى ذلك فى ظل الاستحواذ المستمر لوزارة المالية الإسرائيلية على مستحقات السلطة الفلسطينية من أموال المقاصة والضرائب، وهى الموارد المفترض تخصيصها للرعاية الطبية، وشراء الأدوية، ودفع أجور الطواقم الصحية، وتطوير المستشفيات.

فى المقابل، يلتزم حاخامات الأحزاب الحريدية الصمت إزاء هذه الأفعال اللإنسانية، مع العلم عدم وجود نص دينى صريح يحث على رفض علاج من هم غير اليهود. أما قادة المعارضة الصهيونية، فيتجنبون التصريح بأى موقف قد يثير حفيظة أنصار «بيبى» (بنيامين نتنياهو) السابقين، ناهيك عن أن معظمهم شاركوا فى مصادرة هذه الأموال إبان وجودهم فى السلطة.

ينحصر دور باحثى معاداة السامية فى تتبع القبور اليهودية المهدومة عالميًا ووصم متهمى إسرائيل بالإبادة بـ «العداء لليهود»، بينما يغيب عن واجبهم الأخلاقى التفاعل مع هلاك الفلسطينيين جراء شح الأدوية الأساسية التى احتجز أثمانها بتسلئيل سموتريتش.

ولم تتحرك نقابة الأطباء الإسرائيلية إلا بخطاب استنكار يتيم، كان مجرد رد فعل لضغوط هيئات صحية دولية هددت بمقاطعتها لتقاعسها عن إدانة الحرب على غزة. وفى الوقت نفسه، غابت أصوات خبراء الاقتصاد فى إسرائيل تمامًا عن رفض مصادرة ميزانيات السلطة.

وفى المقابل، التزمت المدعية العامة «اليسارية» الصمت التام أمام هذا الاستيلاء المالى، فى حين يواصل الإعلام غض الطرف عن طرح أى قضية فلسطينية خارج إطار «العمليات العسكرية والتصفية»، ممتنعًا حتى عن تفنيد الروايات الرسمية التى تدعى تمويل السلطة للإرهاب.

يستحضر محتجو شارعى «كابلان» و«بلفور» زَخم تظاهراتهم السابقة ضد التعديلات القضائية ونتنياهو، غير أبهين بالتخريب المنظم لمنظومة الصحة والتعليم الفلسطينية والانهيار المباشر للسلطة؛ إذ تناسوا ــ على ما يبدو ــ أن الشبح المسبب لهذا التفكك هو العقل ذاته الذى قاد الانقلاب القضائى: تيار «الصهيونية الدينية».

هذا النهب المالى الرسمى أثقل كاهل القطاع الصحى الفلسطينى بالديون، حارمًا مرضى الأورام والقلب من الحصول على العلاج الأساسى حتى فى الصيدليات الخاصة.

وعلى مقربة من مستشفى «إيخيلوف» بتل أبيب، يواجه مرضى الكلى خطر رفض أجسادهم للأعضاء المزروعة لغياب العقاقير، كما تتأجل جلسات غسيل الكلى بسبب الإغلاقات ونقص المحاليل، بينما تعمل مختبرات التحاليل بجزء ضئيل من طاقتها، وتتردى صيانة الأجهزة الطبية وتتوقف لغياب التمويل والفنيين.

هذا ليس كل شىء، للنساء الحوامل نصيب من هذه المأساة، حيث على بعد دقائق من مستشفى هداسا فى القدس، لا تستطيع النساء الحوامل الحصول على متابعة دورية؛ بينما تُؤجل جراحات العظام باستمرار، وأصحاب الصيدليات يقعون فى الديون (إذ لا يمكنهم رفض البيع بالآجل)، والأطباء لا يستطيعون حتى تحمل تكاليف تنقلاتهم إلى العمل أكثر من مرة فى الأسبوع.

تقول كاتبة المقال أميرة هاس: «لم أنسَ: تناوب الجيش والمستوطنون والإدارة المدنية على ممارسة عمليات طرد يومية وممنهجة للفلسطينيين؛ بين اعتداءات ميدانية وحرق، وبين قرارات إدارية وهدم بالجرافات. وأمام هذه السياسة الإسرائيلية المخططة بدقة، يبدو توقع أى حراك إسرائيلى رافض لشح الأدوية فى المستشفيات الفلسطينية أمرًا مفرطًا فى السذاجة، كما يظل الأمل فى وجود معارضة تُطالب بإعادة المستحقات المالية المسروقة مجرد وهم طفولى».

أعلم أنه ليس من النضج منى أن أتوقع من جمهور يهودى عريض، لم تصدمه سياسة التجويع المتعمد للفلسطينيين فى غزة، أن يصدم بالتدمير الموجه للرعاية الصحية العامة الفلسطينية من قبل وزارة المالية، والذى يؤدى بأثر الدومينو إلى انهيار الرعاية الصحية غير الحكومية والخاصة أيضًا.

لا يرى هذا الجمهور الإسرائيلى أى مشكلة فى كون غالبية سكان القطاع المحاصر يعيشون اليوم على أعتاب المجاعة والعطش. كما أنه لا يشعر بأى تأنيب للضمير تجاه البيروقراطية الخبيثة التى يديرها الضباط والمسئولون الإسرائيليون فى هيئة التنسيق المدنى؛ وهى التعقيدات التى تعرقل الإمداد المستمر للأدوية والمسكنات ومواد التخدير للجرحى والمرضى، وتحرم الحالات الحرجة من السفر للخارج لتلقى العلاج.

هذا هو الجمهور نفسه الذى ما زال مقتنعًا بأن كبار قادة جيش الدفاع الإسرائيلى تصرفوا بشكل صحيح عندما أمروا بالقتل الجماعى والممنهج للمدنيين الفلسطينيين من أجل قتل عناصر حماس. وما زال مقتنعًا بأن الجيش تصرف بشكل صحيح عندما دمر ومحا من على وجه الأرض مدنًا ومخيمات لاجئين وقرى وأراضٍ زراعية.

بألم كبير، عليك عزيزى القارئ أن تستنتج أنه فى نظر عدد كبير جدًا من اليهود فى إسرائيل، يُعدُّ القتل البطىء للفلسطينيين، لمجرد أنهم فلسطينيون، سياسة إسرائيلية مشروعة.

إعداد وتحرير: وفاء هانى عمر

النص الأصلى:

https://shorturl.at/rKyWe

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved