«نازا» يكشف منظومة القتل الإسرائيلية.. حين يتحول الفلسطينى إلى رقم

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة القدس الفلسطينية مقالًا للكاتب مصطفى إبراهيم، يتناول فيه ما يطرحه فيلم نازا الإسرائيلى، حيث يثبت أن منظومة الاحتلال الإسرائيلى (العسكرية والسياسية والمجتمعية) تمارس تجريدًا شاملًا وممنهجًا للفلسطينيين من إنسانيتهم، إذ تحول القتل والدمار إلى مجرد حسابات وأرقام مسبقة ضمن سياسة رسمية تُبرر الجريمة وتسعى لتطبيعها وتغطيتها بالإنكار والدعاية.. نعرض من المقال ما يلى:

ما زالت الحرب مستمرة، وحصد الأرواح لا يتوقف. ربما تراجعت وتيرة العمليات قليلًا، لكن الموت يواصل حصد أجساد الفلسطينيين بالأدوات نفسها تقريبًا. ويبدو أن الجيش والائتلاف الحكومى والمعارضة ليسوا وحدهم الذين يتعاملون مع قتل الفلسطينيين باعتباره أمرًا يمكن تبريره، بل إن المجتمع الإسرائيلى نفسه عبّر خلال هذه الحرب عن حقيقة صادمة فى نظرته إلى الفلسطينيين وإلى قيمة حياتهم.

فيلم «نازا» لا يتحدث فقط عن قتل الفلسطينيين فى غزة، وإنما عن الطريقة التى جرى بها تحويل قتلهم إلى جزء من منظومة عسكرية واستخبارية يمكن حساب نتائجها مسبقًا.

اسم الفيلم نفسه «نازا»، يحمل دلالة شديدة القسوة. فهو، بحسب الفيلم، تعبير استخبارى إسرائيلى يُستخدم للدلالة على عدد المدنيين المتوقع قتلهم فى غارة جوية.

أى أن الإنسان الذى يعيش داخل منزله، ويتحدث مع زوجته، أو يشاهد التلفاز، أو يحمل رضيعًا، يتحول فى هذه المنظومة إلى رقم فى معادلة عسكرية. هنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر صور نزع الإنسانية قسوة: ألا يعود الإنسان إنسانًا، بل عددًا متوقعًا للقتل.

وقد كشفت ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية حجم الحساسية تجاه ما يفضحه الفيلم؛ فقد وصف بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه يصوّر الجيش الإسرائيلى كمجرم حرب، فيما وصف رئيس الأركان إيال زامير الفيلم بأنه هجوم على إسرائيل، ووجّه المدعى العام العسكرى إلى دراسة إمكان اتخاذ إجراءات قانونية بشأنه وبحق المشاركين فيه. فى المقابل، قال المخرج يوفال أبراهام عند تسلّمه الجائزة إن إنكار الجريمة هو ما يساعد على استمرارها، داعيًا الإسرائيليين إلى مشاهدة الفيلم، لأن بلدنا هو الذى يرتكب هذه الجرائم.

لكن الطعن فى الفيلم ومهاجمة مخرجيه لا يجيب عن الأسئلة التى يطرحها. فالمسألة ليست فقط: هل الفيلم دقيق؟ وإنما: لماذا تثير الشهادات التى يقدمها كل هذا الذعر والغضب، بدلًا من مواجهة ما تكشفه عن طريقة إدارة الحرب واختيار الأهداف؟

فالضجة حول "نازا" لا يمكن فصلها عن خطاب سياسى إسرائيلى واسع سبق الحرب ورافقها، جرى فيه تجريد الفلسطينيين فى غزة من إنسانيتهم. فقد وصف مسئولون إسرائيليون الفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية، ودعا آخرون إلى تدمير غزة أو استخدام سلاح نووى ضدها، فيما صدرت دعوات إلى تجويع السكان وتهجيرهم وطردهم وقطع المياه والكهرباء عنهم.

ولم تبقَ هذه اللغة فى إطار التصريحات، بل تحولت إلى سياسات وممارسات على الأرض: فرض الحصار وإغلاق المعابر أو تقييد عملها، والتحكم فى دخول السلع والمواد الغذائية وكمياتها وأنواعها والسعرات الحرارية المتاحة للسكان وفق خطط مدروسة، ومنع أو عرقلة وصول المرضى والجرحى إلى العلاج والرعاية الصحية، وتقييد دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.

ومن المفارقة أن محاولة إسكات الفيلم أو التشكيك فيه تُؤكّد ما يحاول إظهاره: أن المشكلة ليست فقط فى القتل، وإنما فى منظومة كاملة من اللغة والمفاهيم والسياسات التى جعلت قتل الفلسطينيين أمرًا يمكن تبريره أو تطبيعه أو تحويل ضحاياه إلى أرقام.

والأكثر قسوة أن العالم لا يشاهد هذه الحقيقة للمرة الأولى. فمنذ سنوات، تتراكم الأدلة والشهادات والصور على القتل والدمار والتجويع والحرمان من العلاج، ومع ذلك ما زال العالم عاجزًا عن وقف القتل والمذابح، أو متواطئًا بصمته وعجزه، بما يسمح لإسرائيل بمواصلة القتل.

إن «نازا» لا يكشف فقط ما تفعله إسرائيل فى غزة، بل يكشف أيضًا شيئًا عن المجتمع الذى يخاطبه، وعن الحدود التى يمكن أن يصل إليها تجريد الفلسطينى من إنسانيته. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على فيلم، ولا على نوايا مخرجيه، وإنما على السؤال الأساسى الذى تحاول الحرب طمسه: هل الفلسطينى إنسان له حياة وكرامة وحق فى الحماية، أم مجرد رقم فى منظومة قتل؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved