بين الذكاء البشرى والذكاء الاصطناعى
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب حسن الشريف، يؤكد فيه أن الفرادة الإنسانية والمهارات الفائقة للذات البشرية تظل هى الحاكم والمعيار الأساسى لإنشاء «شراكة تكاملية» مع الذكاء الاصطناعى والحاسوب، بدلا من التنافس معهما، لمواجهة التسارع التكنولوجى المعقد واختراق التكنولوجيا لعلوم الإدراك البشرى.. نعرض من المقال ما يلى:
بتسارع لا مثيل له فى التاريخ يتغير العالم من حولنا اليوم، وتتسارع معه مستجدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بحيث يصعب على المرء حتى مجرد متابعة المشهد المتوالى برمته. وجاءت بدايات الثورة السيبرانية لتعزز من المقدرة الفكرية المتوافرة للإنسان، وخصوصا من خلال التطبيقات المختلفة للحاسوب، إذ بات بالإمكان أن تقوم الآلة بالكثير من المهام التى كانت حكرا على الدماغ البشرى.
أدى ذلك إلى ما نراه اليوم من انتشار متعاظم لمجتمع المعلومات الرقمى بسماته وأبعاده كافة. كذلك تطورت، وعلى نحو متسارع للغاية أيضا، تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مختلف المجالات، حتى صار البعض يرى فى الذكاء الاصطناعى مسألة تهدد بنية الحضارة الإنسانية بعينها.
تتطور أجهزة الذكاء الاصطناعى وتطبيقاته وآليات التواصل مع دماغ البشر، بحيث صار يمكن بـ «مجرد التفكير» السيطرة على هذه الأجهزة واستخدامها فى تحريك كل ما حولنا، ثم نقل تغذية ارتجاعية منها إلى دماغ الإنسان تبلغه بما قامت به وتتلقى منه التعليمات للخطوة التالية.. تماما مثل حواس الإنسان وشبكات الأعصاب العاملة فى خريطة جسمه.
• • •
معظم القدرات والمهارات الغريزية التى يمتلكها الإنسان موجودة، وإن بدرجات متفاوتة، لدى العديد من الأجناس الحية الأخرى. لكن الإنسان نجح فى تعظيمها وتضخيمها والجمع بينها فى الاستخدامات اليومية، حتى بدت وكأنها قدرات تختلف عن تلك التى تمتلكها الأجناس الأخرى. من ذلك الذكاء والتفكير والقدرة على إبداع أدوات لتسخير موارد الطبيعة لمصلحته. كما نجح فى تطوير مستجدات التكنولوجيا والارتقاء باستخداماتها على مر العصور ومراكمة الخبرات المكتسبة فى استخداماتها ونقلها عبر المكان والزمان، بين الأجيال وبين التجمعات البشرية المختلفة.
• • •
إن ما يميز الإنسان عن الحاسوب، على الأقل إلى يومنا هذا، هو مقدرته على الإبداع والابتكار، ومقدرة الدماغ البشرى على التفكير أبعد من البيئة المحيطة به، جغرافيا وزمنيا. ويمكن تفصيل بعض هذه الميزات كما يلى:
- التفكير التجريدى وإسقاط الحاضر على المستقبل.
- التواصل اللغوى عبر الزمان والمكان، ما أسهم فى تطوير الأفكار المجردة (بلورة صيغ ونماذج فكرية، والتعامل المعقد معها)؛ وهو ما يتعلق باللغة الطبيعية على مستوى التواصل بين البشر.
- وضع تصور ذهنى لمشكلة ما، ثم التحليل والبحث عن حلول فكرية لها، ثم العمل على تنفيذ المناسب من الحلول المطروحة فكريا Problem solving approach.
- الإدراك والوعى الذاتى بالذات وبما حولنا.
• • •
إن هذه الصفات التى تعطى الإنسان ميزة على الحاسوب، إلى اليوم، هى صفات ومواهب غريزية مهمة، ومهارات وقدرات مكتسبة. ومن المواهب الغريزية المتوارثة:
- الفطرة والحس الغريزى السليم.
- التقدير والتخمين؛ نتيجة الخبرة المتوارثة المتراكمة فى الجينات على مر العصور.
الذكاء العاطفى والذكاء الاجتماعى والنفسانى.
- التأقلم مع المتغيرات والمفاجآت، وفهمها، والسعى إلى التعامل معها.
• • •
بالإضافة إلى ما سبق، يمكننا الحديث عن إدماج الصفات الغريزية بمهارات تكتسب بالخبرة والتعلم لتشكل مهارات ومقدرات فائقة فى «إنسانيتها»، ما زلنا نعتبر أنها بمعظمها ليست بمتناول الحاسوب، إلى اليوم على الأقل، من ذلك:
- الحشرية والرغبة فى استكشاف المجهول.
- الإبداع والابتكار والخيال والحلم النهارى (المثمر أو غير المثمر).
- الحس بالمسئولية والرغبة فى اتخاذ القرار، وربطه بالتنفيذ.
- التأثير على الآخرين فكريا وعاطفيا ومجتمعيا.
- العمل الجماعى كفريق، والمقدرة على قيادة الفريق.
- الاستفادة من التجربة وتكرارها، والتعلم منها بعد تحليلها وتقييمها.
- المقاربات اللغوية والبلاغية المتنوعة، المباشرة وغير المباشرة (التشبيه والاستعارة... إلخ).
- القدرة على الجمع والربط بين الأفكار المختلفة وحتى المتناقضة، association of ideas.
- التعرف إلى الأشخاص والصور والأشياء، بسرعة فائقة Patterrecognition.
- التبصر واستكشاف المستقبل والنظرة إلى أمام.
وأقله حتى الآن، لم تنجح برمجيات الذكاء الاصطناعى، إلا جزئيا، فى اكتساب سائر هذه المهارات بالسهولة والبداهة التى لدى الإنسان. لهذا فهى تعتبر مهارات فائقة الأنسنة.
• • •
بدأ استخدام الحاسوب فى أواسط القرن العشرين كآلة حاسبة ضخمة القدرات -فائقة السرعة وفائقة الدقة مقارنة بدماغ الإنسان- على مستوى القيام بعمليات حسابية كبرى ومعقدة أحيانا. لكن، وبعد ذلك، سرعان ما بدأ استخدام الحاسوب فى عمليات منطقية معقدة ومتطورة. وأهم تطبيقات الحاسوب اليوم، ربما، هى فى تكنولوجيا الاتصالات: فى الإنترنت والهاتف الذكى المحمول ووسائط التواصل الاجتماعى.. ونوجز فى ما يلى بعض أهم مستجدات هذه الثورة فى الاتصالات والمعلومات:
- الذكاء الاصطناعى والآلة عميقة التعلم.
- تطورات الإنترنت.
- تطورات وسائط التواصل الاجتماعى بأنواعها وأبعادها.
- الحوسبة السحابية Cloud computing، والحوسبة الضبابية Fog computing.
- معالجة المعطيات الضخمة Big Data.
- الحقيقة المزادة والحقيقة الافتراضية والحقيقة المختلطة.
- الحوسبة الكمومية Quantum computing.
- الروبوت والروبوت المؤنسن.
ويتوافر لكل من هذه المستجدات أدبيات واسعة تشرح تأثيراتها وأبعادها.
• • •
هو كناية عن «ألغورتمات» تبرمج للحاسوب ليصير مشابها لتفكير الدماغ البشرى، بحيث يتمكن، أى الحاسوب، من إنجاز مهمات كانت محتكرة من جانب التفكير البشرى، مثل حل المسائل المنشبكة والمعقدة، والتعلم والتعرف إلى الصور واتخاذ القرار بشأنها.
وتشمل قدرات الذكاء الاصطناعى:
تعلم الآلة Machine learning:
بما يمكن الحاسوب من اكتساب المزيد من المعلومات والمهارات بالممارسة والتعلم العملى.
التعلم العميق Deep learning:
من خلال شبكة عصبونات حاسوبية تقلد العصبونات البشرية بطبقات متعددة، لاكتساب ذاكرة واسعة ومتعددة الطبقات.. وتستهدف التعرف إلى الأنماط وما يحاكيها.
- معالجة اللغة الطبيعية.. مع كل ما يتطلبه ذلك من مهارات.
- التعرف إلى الصور.. وعمليات ترتيبها وتصنيفها.
وتأتى قوة الذكاء الاصطناعى من خلال ألغورتمات متعددة الطبقات تقود الآلة للتصرف أبعد مما رسمه لها المبرمج/ الإنسان، بحيث تكون قادرة على اتخاذ قرارات غير مبرمجة ترتكز على ما اكتسبته الآلة من خبرات ومعلومات.
• • •
الحاسوب الذكى هو الحاسوب المبرمج للتعلم ذاتيا بالممارسة وباكتساب المعرفة من تحليل الحالات التى تمر به. وما يهمنا هنا هو بعض استخدامات الذكاء الاصطناعى فى تطبيقات مهمة ومباشرة، فى الاقتصاد والصناعة والأمن والسياسة والإدارة والقضايا العسكرية. فالقدرات الحاسوبية تتزايد بشكل أساسى، ويجرى ربطها بشبكات ضخمة على امتداد العالم؛ كما تجرى مراكمة كل أنواع المعطيات فى بنوك معلومات فائقة الضخامة (جوجل، أمازون، ميكروسفت، فيسبوك، على سبيل المثال، حتى لا نتحدث عن بنوك المعلومات لدى الحكومات ومخابرات العالم!). وهذه البنوك تمتلك ذاكرة لامتناهية السعة ولا تمحى، تحركها آليات بحث متطورة وفائقة القدرة على الإيغال المبحثى فى المعطيات الضخمة، والقادرة بدورها على تحليل المعلومات المتراكمة وتصنيفها، ثم انتقاء المعلومات المفيدة المطمورة فى بنوك المعلومات، واسترجاعها بسرعة مذهلة لتسهل، فى النتيجة، عمل أصحاب القرار.
• • •
من الواضح أن الحاسوب يتطور بسرعة مذهلة ويكتسب قدرات تفوق قدرات الإنسان التقليدية، وإن كانت ــ ظاهريا على الأقل ــ تستخدم كليا لمصلحة الإنسان ولتحسين حياته وتعزيز قدراته. صحيح أن التحسن فى قدرات الحاسوب يلغى الكثير من المهن والوظائف التى كانت مقتصرة على الدماغ البشرى، وبالتالى سيزيد مستوى البطالة ــ بخاصة العمالة غير الماهرة من جهة، والشباب من ذوى الشهادات الجامعية والخبرة العملية المحدودة من جهة أخرى ــ لكن الصحيح أيضا أن «الإنسان» ليس بالضرورة فى منافسة مباشرة مع «الحاسوب»، وقبل ذلك لم يكن عمليًا فى تنافس مباشر مع كل تقدم تكنولوجى مكتسب. إن التفكير السليم هو فى تطوير شراكة بين الإنسان والحاسوب، وتنظيمها بحيث يقدم كل طرف فى الشراكة أفضل ما لديه من قدرات ومهارات لمصلحة الإنسان، وللتقدم والارتقاء بالحضارة الإنسانية.
محفزات الشراكة بين الإنسان والحاسوب:
- التطور المستمر فى الحواسيب الذكية وتحسنها.
- انتشار الحواسيب فى كل مجال وترابطها وتشابكها على امتداد العالم.
- زيادة التشابك والترابط بين كل نظم الشبكات العالمية.
- تعقيدات متزايدة فى مختلف النظم والمؤسسات والمنظمات فى العالم، ورقمنتها، وتراكم المعلومات.
- بشكل مرعب فى كل هذه النظم، وعلى نحو يعجز الإنسان الفرد وحده عن استيعاب ذلك والتعامل معه.
النص الأصلى