تحولات العالم بعد ربع قرن من هجمات 11 سبتمبر الإرهابية

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

أحيت الولايات المتحدة الأمريكية، على المستويين الرسمى والشعبى، وأحيا العالم بأسره، وبأشكال وصور ومضامين مختلفة، منذ أيام قليلة ذكرى مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على مدينتى نيويورك وواشنطن وما خلفته من خسائر بشرية ومادية ومن صدمة إنسانية، وهو حدث لم تنحصر آثاره ونتائجه على الولايات المتحدة الأمريكية، بل أزعم أنه ترك بصماته منذ ذلك الوقت على العالم بأسره وعلى تفاعلات العلاقات الدولية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وربما لعقود قادمة على أقل تقدير، وكان تأثيره مباشرًا وهامًا على وجه الخصوص على العالمين العربى والإسلامى وعلاقاتهما ببقية دول ومناطق العالم، وكذلك على الجاليات العربية والإسلامية المقيمة فى بلدان المهجر، خاصة فى بلدان أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا ونيوزيلاندا.

وكانت تلك الهجمات الإرهابية ولائحة الاتهام بالمسئولين عنها بمثابة تتويجًا لتراكم على مدار سنوات سابقة، خاصة منذ الاعتداء الأول على مركز التجارة الدولية فى نيويورك من خلال تفجيره فى فبراير 1993 ثم الهجمات على سفارتى الولايات المتحدة الأمريكية فى كل من نيروبى ودار السلام فى عام 1998، وما سبق تلك الأحداث وتخللها وأعقبها من حوادث ذات طابع إرهابى فى أوروبا، كانت كلها تصب فى اتجاه اتهام ما تم إطلاق عليه وصف استمر حتى الآن وهو «الإرهاب الإسلامى»، بعد أن كانت الصيغ الشائعة قبل تلك الحقبة عند الحديث عن أفكار أو تيارات إسلامية متشددة هى: «الأصولية الإسلامية» أو «التطرف الإسلامى»، وهو الأمر الذى مثل نقلة نوعية فى تعامل النظام الدولى مع كل ما من شأنه أن يدخل ضمن حدود «الإسلام»، ليس بمعناه الدينى بل بدلالته الدنيوية والمعاشة.

وربما كانت أول وأهم ضربة مثلتها هجمات 11 سبتمبر 2001 قد وجهتها لدعوة كانت قد تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ذلك بثلاث سنوات فقط وتحديدًا فى عام 1998 والخاصة بالدعوة إلى تبنى نهج «حوار الحضارات» فى مواجهة دعوات «صدام الحضارات والثقافات»، وكان من المفارقات أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حددت دورتها فى سبتمبر 2001 لإحياء «عام الحوار بين الحضارات»، وجاءت هجمات 11 سبتمبر لتضعف كثيرًا من الاحتفالية التى كانت الأمم المتحدة تزمع تنظيمها فى سبتمبر 2001، وبعد أن تم تأجيلها أيضًا إلى نوفمبر من نفس العام، كما جاءت هذه الهجمات وردود الفعل عليها، خاصة الغزو الأمريكى لأفغانستان فى أكتوبر 2001 ثم الغزو الأمريكى للعراقى فى مارس 2003، لتمنح زخمًا مجددًا لدعوات أكاديمية وسياسية وأيديولوجية وإعلامية، وأحيانًا دينية، فى الغرب وفى مناطق أخرى من العالم، كانت تدعو إلى الحشد والتعبئة لمواجهة «التهديد الإسلامى» أو «الخطر الإسلامى».

ومن الصحيح أن الأمين العام الراحل للأمم المتحدة «كوفى أنان» قد نجح فى 2005 فى توظيف تبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة لمبادرة تركية إسبانية مشتركة بشأن «تحالف الحضارات» من خلال إدماجها بشكل مؤسسى فى هيكل عمل المنظمة الدولية وأمانتها العامة، ولكن بقى الأثر السلبى لهجمات 11 سبتمبر وردود الفعل عليها يمثلان جرحًا غائرًا فى علاقة العالم الإسلامى بمناطق أخرى من العالم، خاصة فى علاقته مع الغرب، وفى الرؤى المتبادلة بين المسلمين فى العالم وقطاعات واسعة من غير المسلمين، خاصة فى الغرب. وما زالت دعوة «حوار الحضارات» حتى لحظتنا الراهنة تواجه تحديات جمة، حجمت كثيرًا من قدراتها وإمكاناتها وطاقاتها الكامنة والمبدعة والخلاقة والممكن حسن توظيفها، التى بالتأكيد إذا انطلقت من عقالها فسوف تساهم بشكل كبير فى مساعدة العالم على مواجهة والتغلب على الكثير من التحديات والمشكلات الضخمة التى يواجهها.

إلا أننا إذا انتقلنا إلى سياق أوسع وأرحب فى تحليل المشهد الدولى، فإننا نرى أن هذا المشهد كان لا يزال يتسم فى 2001 بغلبة الاعتقاد بأنه يمثل بواكير نظامًا دوليًا جديدًا أحادى القطبية؛ حيث الولايات المتحدة الأمريكية هى القوة الأعظم الوحيدة فى العالم بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى السابق فى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، وفتره «البحث عن هوية جديدة» التى مرت بها روسيا تحت حكم رئيسها الراحل «بوريس يلتسين»، وعزوف الصين عن القيام بأى دور فاعل على صعيد السياسة الدولية بعيدًا عن جوارها الجغرافى الآسيوى آنذاك وتركيزها التام على التنمية الاقتصادية بمعدلات مرتفعة، وكون الاتحاد الأوروبى فى مرحلة مبكرة من تأسيسه ما بعد دخول معاهدة «ماستريخت» حيز النفاذ فى نوفمبر 1993.

وبالمقابل، فإن المشهد الدولى اختلف بدرجة كبيرة حاليًا، سواء فى تقديراته أو فى توقعاته، وصار الاعتقاد الغالب هو أن العالم، وإن كان لا يزال يمر بمرحلة تحول، فإنه بتحرك باتجاه نظام دولى متعدد الأقطاب، فى ظل دور فعال على الصعيد العالمى لروسيا تحت حكم الرئيس «بوتين»، واتساع وتعمق فى الدور الدولى للصين، خاصة منذ الأزمة المالية العالمية فى 2008، واستمرار أوروبا محاولة إحياء قدراتها الاقتصادية والدفاعية وربما البحث عن هوية جديدة لها، بالإضافة إلى حرص اليابان على عدم فقدان دورها الدولى بل البناء على مزايا الاستقرار السياسى خلال فترة حكم رئيس وزرائها الراحل «آبى»، وكذلك الصعود المستمر لنجم الهند على الصعيدين الآسيوى والدولى، بدون أن ننسى سعى كوريا الجنوبية لاستثمار طفرتها الاقتصادية لتعزيز مكانتها العالمية.

أما على صعيد تأثيرات حالة الاقتصاد الدولى على مجمل المشهد العالمى، فإنه بينما كان العالم يتعافى فى 2001 من الآثار الكارثية للأزمة المالية الآسيوية التى أثرت، وإن بدرجات متفاوتة، على بقية أنحاء العالم خارج آسيا، فإن العالم، الذى مر بالأزمة المالية العالمية لعام 2008 ولم يتعاف منها تمامًا، وعانى من الآثار الاقتصادية الكارثية لجائحة «كوفيد ــ 19»، ثم من آثار اقتصادية لا تقل كارثية لكل من الحرب الروسية الأوكرانية الجارية منذ 2022 ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الجارية منذ فبراير من هذا العام، بات يتنبأ بعض اقتصادييه بأزمة اقتصادية ومالية عاتية خلال الأشهر القليلة القادمة، وأصبح الهم الاقتصادى غالبًا على الجميع، مع تعدد وتنوع مستويات التقدم والنمو، بل وربما باتت الفوارق، من وجهة نظر العديد من الاقتصاديين فى العالم، تتضاءل بين بعض الاقتصاديات المسماة بالمتقدمة وعدد من الاقتصاديات البازغة أو حتى الناشئة.

وعلى الصعيد الأيديولوجى والفكرى والثقافى، لا تبدو الصورة أكثر وضوحًا من الصعيدين السياسى والاقتصادى، فالليبرالية الجديدة التى تحالف معها على أرض الواقع المحافظون الجدد الذين كانوا يوجهون مقاليد الحكم فى واشنطن فى سبتمبر 2001 وعدة سنوات تالية، أخذت المجتمع الدولى بأكمله إلى ما ادعت أنه آفاق أكثر رحابة وسعادة للجميع منذ حوالى ثلاثة عقود، ولكنها سياسات أدت إلى واقع الأمر إلى ردود أفعال قوية ضد العولمة وإلى نمو اتجاهات «محلية» تدعو وتسعى للتقوقع على الذات، فى نفس الوقت الذى أدت فيه تجلياتها السياسية إلى نشأة وتطور نظم سياسية تتسم بالقمع وتبتعد تمامًا عن النظم الليبرالية بخصائصها وصفاتها التى عهدناها لعقود طويلة، ناهيكم عن إعطائها زخمًا، عبر بوابة فشلها الذريع فى تحقيق الحدود الدنيا الضرورية للعدالة الاجتماعية، لنهضة أشكال جديدة لليسار على صعيد العالم بأسره، بما فى ذلك داخل الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذى شهدناه مؤخرًا من خلال صعود النجم المتسارع للعناصر والكوادر اليسارية داخل الحزب الديمقراطى الأمريكى، كما أن اليمين الشعبوى المرتبط بالليبرالية الجديدة فقد الكثير من بريقه بسبب عجزه عن تقديم الحلول المستدامة للمشاكل التى تواجهها المجتمعات وتوقفه عند حدود الحشد والتعبئة والتحريض ضد «الآخر» المختلف عنه أو معه. إلا أن اليسار من جانبه أيضًا ما زال يعتبر متفرقًا وشيعًا كثيرة ولم يتبلور فى إطاره بعد رافد يمكن اعتباره رئيسيًا، وذلك منذ تراجع الماركسية النسبى بعد انهيار وتفكك الكتلة السوفيتية فى شرق ووسط أوروبا، وانهيار بعض التجارب التى تبنت الماركسية فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع بقائها صامدة، ولكن بصيغ جديدة، فى عدد من دول آسيا الهامة. كما أن الأيديولوجيات المرتكزة على تفسيرات دينية ليست فى أفضل أحوالها بعدما عجزت بعض تجاربها فى السلطة عبر العالم فى توفير ضمانات الحريات وحقوق الإنسان واحترام التنوع الثقافى لمواطنيها من جهة ومتطلبات الحياة الكريمة من جهة أخرى.

وهكذا نرى أن المشهد العالمى قد اختلف فى العديد من جوانبه وأبعاده اليوم عما كان عليه فى سبتمبر 2001 بفعل عوامل ومحددات واعتبارات وتطورات كثيرة، منها بالتأكيد ما يتعلق بهجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية فى الولايات المتحدة الأمريكية وبردود الفعل الأمريكية والغربية والعالمية عليها، ولا يعنى ذلك أن العالم أفضل أو أسوأ اليوم مما كان عليه فى سبتمبر 2001، ولكن من المؤكد أن الوضع الدولى المأزوم فى مجمله يحتاج إلى جهد دولى جاد ومخلص ومتواصل وممنهج قائم على التعاون والتنسيق الدولى وعلى إعلاء اعتبارات العدالة والسلام والكرامة الإنسانية لتحقيق انفراجة ربما يكون من شأنها المساهمة فى خروج المجتمع الدولى من المأزق الراهن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved