هل انتصر السنوار فعلا؟
خالد سيد أحمد
آخر تحديث:
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 8:00 م
بتوقيت القاهرة
تظل شخصية يحيى السنوار، القائد السابق لحركة حماس، والذى فجّر طوفان الأقصى قبل ثلاث سنوات، موضع خلاف وجدال ونقاش لا ينقطع بين من يرى أنه حقق بالفعل انتصارا على إسرائيل لن تنساه أبدا، وبين من يتهمه بتدمير مستقبل القضية الفلسطينية وإلقائها فى «غياهب المجهول».
ففى عالمنا العربى نجد من يضع السنوار الذى رحل قبل عامين، فى خانة «المغامرين بلا وعى» أو«المقامرين بلا حدود»، وأنه أراد دخول التاريخ فخرج من تضاريس الجغرافيا، وتسبب لشعبه بنكبة جديدة لا تقل عن نكبة عام ٤٨، التى ظلت عنوانا دائما للمأساة الفلسطينية منذ أكثر من سبعة عقود، جراء إقدامه على تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، والذى أحدث زلزالا هائلا هز المنطقة والعالم بعنف، ولا تزال تداعياته مستمرة حتى الآن ولسنوات كثيرة مقبلة.
فى المقابل، هناك من يرى أن الرجل حرّك المياه الراكدة للقضية الفلسطينية بقوة، وأعادها إلى واجهة الأحداث الدولية والإقليمية قبل أن تدهسها مشاريع التطبيع التى كانت رائجة بقوة فى المنطقة، كما أنه نجح فى إفساح المجال للسردية الفلسطينية لتواجه الرواية الإسرائيلية المزيفة التى سيطرت على المشهد العالمى، وهو ما يعد تحولا استراتيجيا فى معادلات الصراع مع الكيان الصهيونى، وبالتالى تمكن من ترسيخ مقولة «انتصار الدم على السيف» رغم خسائر الفلسطينيين الهائلة؛ بشرا وحجرا.
ليس هذا فقط، بل إن أغلبية الفلسطينيين الذين قدموا تضحيات هائلة جراء «طوفان الأقصى»، لا تزال تتمسك بنهجه وترفض تماما فكرة التخلى عن المقاومة المسلحة قبل زوال الاحتلال من قطاع غزة، حيث أظهر استطلاع للرأى أجراه المركز الفلسطينى للبحوث السياسية والمسحية، فى منتصف أغسطس الماضى أن «72% من الفلسطينيين يعارضون نزع سلاح حركة حماس قبل الانسحاب الإسرائيلى الكامل من قطاع غزة، مقابل 20% يؤيدون ذلك».
أما فى إسرائيل نفسها، فنجد أصواتا تقر بخسارة الكيان الصهيونى فى هذه المواجهة غير المتكافئة، مثل الكاتب الإسرائيلى روبيك روزنتال، الذى كتب مقالا بصحيفة «هاآرتس» الأحد الماضى قال فيه إن «يحيى السنوار، ورغم فشله فى الحرب عسكريا، فإنه هزم المجتمع الإسرائيلى لأجيال».
وأشار روزنتال إلى استطلاع حديث نشرته «القناة 13» الإسرائيلية، والذى أظهر أن 37% فقط من المستطلعة آراؤهم يعتقدون أن إسرائيل قد انتصرت على حركة حماس. وأضاف أن غالبية الجمهور الإسرائيلى إما لا يعرف أو لا يعتقد أن حماس هى من انتصرت، مما يعنى، بحسب تحليله أن إسرائيل «لم تنتصر حقا، أو أنها لم تنتصر على الإطلاق».
كما أكد الكاتب الإسرائيلى أن «التأثير العميق للحرب والهزيمة فى 7 أكتوبر وتداعياتها قد أحدث شرخا واستقطابا حادا داخل المجتمع الإسرائيلى، مما يمثل انتصارا معنويا أو استراتيجيا للطرف الآخر على المدى الطويل، حتى لو لم يتحقق ذلك على أرض المعركة بالمعنى التقليدى».
لا شك أن تقييم الأحداث الكبيرة مثل هجوم طوفان الأقصى، يحتاج بالتأكيد إلى وقت كاف حتى تتضح وتنضج معالم الصورة الكاملة لنتائجه وآثاره على أرض الواقع، وبالتالى فإن التسرع فى إطلاق الأحكام عن الانتصار أو الهزيمة غير مجدٍ فى الوقت الراهن، لأنه سيكون أسيرا للحظات ما بعد «الطوفان»، والتى تختلط فيها وتتداخل مشاعر الفرح مع اليأس والمرارة جراء التضحيات الهائلة التى قدمها الفلسطينيون.
صحيح أن الفلسطينيين تألموا كثيرا منذ «الطوفان»، ودفعوا ثمنا باهظا فى الأرواح والممتلكات، فضلا عن أنهم يواجهون أوضاعا معيشية كارثية، لكن المحتل الصهيونى تألم أيضا فى هذه المواجهة، ويكفى أن أشد المتفائلين لم يكن ليتوقع هذا التعاطف والتأييد الشعبى العالمى لحق الفلسطينيين فى التحرر من الاحتلال، أو أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال ضد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت، لارتكابهما جرائم حرب فى غزة.
الاستغراق فى جدلية انتصار السنوار فعلا أو هزيمته ليس مهما.. وتأييد ضربة السابع من أكتوبرالتى وجهتها المقاومة للكيان الصهيونى أو انتقادها لأنها لم تراع فوائض القوة التى تتمتع بها إسرائيل لن يفيد.. فالحقيقة التى يعرفها الجميع هو أن ما حدث ليس سوى جولة من جولات الصراع المستمر، وأن الشعب الفلسطينى لن يتخلى أبدا عن حقه المشروع فى المقاومة حتى التحرر من الاحتلال وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو ٦٧ بكل الوسائل التى تكفلها القوانين الدولية، وبالتالى ينبغى على الدول العربية دعم ومساندة الصمود الفلسطينى العظيم وتعزيز قدرته على البقاء والتمسك بأرضه ومقدساته حتى تحين هذه اللحظة.