فى حُسن القَول

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

 

تابعت من مكانى والشارع مغلق بفعل فاعل؛ مشادة بين قائدى عربتين متصادمتين. غادر أحدهما مقعده خلف المقود، واندفع يضرب بكلتى يديه مقدمة العربة الأخرى؛ فيما يرغى ويزبد وينفلت لسانه بالسباب والوعيد. خرج قائد العربة المقابلة صامتًا ثاقب النظرات، لم يرد الصاع صاعين ولا حتى صاعًا واحدًا مكافئًا؛ إنما قال فى نبرة هادئة ملؤها الصرامة: "احفظ أدبك". سكت الأول مأخوذًا؛ تخلى عن ثورته وكفَّ عن الصياح؛ وكأنه كان ينتظر مزيدًا من التصعيد ليواصل ثورته العارمة؛ وإذ خاب ظنه إذ فجأة وعلى غير التوقعات؛ أسقِط فى يده وسكت.

• • •

تقول الحِكمةُ الشعبية: "لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك"، والمراد أن يروض المرءُ نفسه على عدم الاستسلام للانفعالات السريعة التى غالبًا ما تسفر عن ارتكاب أخطاء لا ضرورة لها؛ خاصة واللسان يغدو بعض الأحيان كالفرس الجامح؛ يحتاج إلى لجام لئلا يصيب من يعترض طريقه، أو يتعرَّض هو نفسه لأذى الاصطدام. 

• • •

جزءٌ مهم من القبول الذى يحظى به الواحد عند الناس؛ قوله وبيانه. إذا كان موفقًا فيهما مالكًا أمرهما؛ توطدت علاقاته وتيسَّرت أهدافه، وإذا أخفق ونطق بما لا يُستحَب ولا يجوز؛ جاء بأثر عكس المراد، ولا عجب حينها إن تلقى العتاب، وبكَّته السامعون على سوء تقديره قائلين: "الملافظ سعد". 

• • •

يُوصَف المرءُ بأنه حلو اللسان ما ترفق فى أسلوبه واستطاع أن يصيغ أصعب الرسائل فى أطيب الكلمات. الحلاوة نقيض المرارة، والمُرُّ من الكلام يتعذر ابتلاعه، وقد غنى الشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم: "مُرّ الكلام زى الحسام يقطع مكان ما يمُرّ"؛ فكان لغنائه فى النفوس العليلة فعل النصل الحاد؛ إذ يُسيل الدماء ويُذكر دومًا بالعِلة والذِلة.

• • •

ضِمن مناهج الدين المدرسيَّة، حفظ كثيرنا الآية التى تقول: "ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا مِن حولِك". الفظاظة والغلظة تُثقِلان الخطاب؛ حتى ولو كان صاحبه أعلمَ الناس وأكثرهم اتزانًا؛ فمتى تمكنتا من حديثه؛ نفر المتلقون منه وأعرضوا عنه، وتركوه وحيدًا يخاطب نفسه؛ إلا أن يخشوا بطشه فيمكثوا مضطرين، وأكم من جَهبذ تولَّى عنه المُريدون لسوء المَعشَر، وأكم من ظالمٍ، جافِ الطباع، خشنِ اللفظ، فجّ القول؛ تكأكأ عليه الناسُ وزادوه مديحًا؛ خوفًا من غضبه.

• • •

رأى فرويد أن لزلات اللسان وهفواته معنى وأصل، وأن أحداثًا وقعت خلال الطفولة وما بعدها؛ قادرةٌ على تشكيل ما يتفوَّه به الشخص؛ إذ تراوِغ وعيَه، وتنسلت لتظهر عفوًا فى جملة أو عبارة، وقد يلتقطها الآخرون؛ فيفسرونها تبعًا لما تعرَّضوا هم أنفسهم له. زلَّات اللسان قد تغدو مؤلمةً للنفس قاسية، والزَلل درجةٌ أعلى ولا جدال من ارتكاب الخطأ البسيط المُعتاد، وقد شهدنا من زلَّات الكبار ما أضحكنا ودفع بالدموع إلى أعيننا؛ خاصةً فى المواقف الرسميَّة التى تقع علنًا، ولا تحتمل هزلًا ولا مزاحًا، ويبدو أن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب قد احتلَّ المرتبة الأولى فى هذا المِضمار إلى الآن.

• • •

لا يقتصر حسنُ القول على استخدام مفرداتٍ لينةٍ لطيفة؛ إنما يمتدُّ إلى مُراعاة الدقَّة فى اختيار كلّ مفردة على حده؛ طمعًا فى أن تؤدى المعنى المرجو مباشرةً ودون انحراف، وأن تتماشى مع ثقافة السامعين ودرجة استيعابهم، دون أن تتعالى عليهم أو تهين قدراتهم؛ والحقُّ أن المهارة تكمُن فى جعل الكلام يسيرًا وسلسًا؛ أما الميل إلى التعقيد والمغالاة فى التركيب والتقديم والتأخير؛ فيسفر عن إرباك الأفهام وحسب.

• • •

قدَّم الراحل مصطفى جواد برنامج "قل ولا تقل" لأعوام طويلة؛ عاملًا على تصحيح الكلمات التى يخطئ كثير الناس نطقها. البرنامج شديد التميز، مُحقَّق الفائدة، وجواد هو لغويٌّ عراقيٌّ بارعٌ ومُتمكّن، مولود فى بغداد بمطلع القرن العشرين، وقد صدرت حلقات برنامجه فى كتاب، وقلَّده لاحقًا بعض مُقدمى البرامج الإذاعيَّة والتلفزيونيَّة؛ لكن أداءه ظلَّ محتفظًا برونق شديد الخصوصيَّة لا ينازعه فيه آخر.

• • •

عُرِضَ مُسلسَل "وقال البَحر" فى مطلع الثمانينيات؛ سيناريو أسامة أنور عكاشة، وإخراج محمد فاضل، بينما التمثيل لنخبة شديدة التميُّز من الفنانين، أما كلمات الأغنية الافتتاحية؛ فكتبها سيد حجاب ولحَّنها عمَّار الشريعى وأدَّاها على الحجار، وفيها ما يشرح قولَ البحر بتفصيل خلَّاب.

• • •

إذا أراد الواحد منا تأييدَ رأى مُحدّثه والتضامن معه؛ استخدم التعبير الشهير: "على قولك"، وإذا قرَّر أن يمدح آخر دَمث الخلق، حريصًا على الابتعاد عن الفاحش من الكلام؛ قال فى نبرةٍ واثقة: "فلان ما تطلعش منه العيبة"، أما فى الحال النقيضة فالمثل الشعبيّ اللاذع يستوفى الغرض ويزيد: "إن طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب"؛ والمعنى أن القول أو الفعل السيء ليس بمُستعجَب من صاحب الخُلُق السيء؛ إنما يؤخذ كسلوك طبيعى معتاد لا يستحق الدهشة مطلقًا، والحقّ أن هؤلاء الذين يقترفون العيب؛ فلا يجد المرء فى نفسه ميلًا لتأنيبهم أو حتى استنكار فعليهم؛ إنما يدربون الآخرين على قبول مصائبهم فى استسلام، وبغير غضبٍ أو حتى ضيق، والنتيجة أن يتمادى المُسيء ويغالى فى إساءته؛ حتى ليحقَّ فى وصفه المأثور الطريف: "سكتنا له دخل بحماره".

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved