ما نقوله هو ما نفعله عن الدستور والوعى وأوهام الجوار
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 7:55 م
بتوقيت القاهرة
لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة مجرد استعادة لذاكرة السنوات الصعبة بين عامى 2011 و2013، بل حملت رسائل مباشرة فى ثلاثة ملفات تشغل الرأى العام: الحديث عن تعديل الدستور، وحرب الشائعات على منصات التواصل الاجتماعى، والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن سيناء. ويجمع بين الملفات الثلاثة خيط واحد هو المسافة بين القول والفعل؛ فالدولة التى تطالب مواطنيها بالثقة، وتطالب جيرانها بالطمأنينة، عليها أيضًا أن تعمل على ردم هذه المسافة. وعند هذه النقطة تحديدًا تستحق كلمة الرئيس قراءة متأنية، لا مجرد إشادة أو رفض.
• • •
أبرز ما قاله الرئيس أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون، وأن أحدًا لن يمسه، وكرر العبارة مرتين، ثم ربط ذلك بتحذير صريح من العبث بعقول المصريين. التكرار هنا رسالة سياسية مقصودة، موجهة إلى جماعات وأصوات دأبت فى الأشهر الماضية على تصدير فكرة أن تعديلًا دستوريًا يجرى الإعداد له لإطالة بقاء الرئيس فى الحكم.
الآن يخرج النفى من صاحب الشأن نفسه، وعلى الملأ، وبصيغة لا تحتمل التأويل.
والمفارقة التى ينبغى التوقف عندها؛ فمن يروّج لتعديل الدستور «من أجل الرئيس» يزعم أنه يقرأ ما بين السطور، بينما الرئيس يقول ما فى السطور صراحة. والإصرار على تصدير فكرة نفاها صاحبها لا يمكن تفسيره بالحرص على الدستور، وإنما هو فى الحقيقة استثمار فى الشك، وتغذية لحالة احتقان يُراد لها أن تتسع. ومن يسعى إلى تعديل الدستور لصالح شخص لا يخدم الرئيس ولا الدولة، بل يقدّم لخصومهما الذريعة التى يبحثون عنها.
غير أن الرؤية النقدية تقتضى أيضًا أن نقول إن النفى الشفهى، مهما كان قاطعًا، ليس نهاية الطريق؛ فالضمانة الحقيقية هى أن يصبح احترام النص الدستورى ممارسة مؤسسية، بمعنى برلمان يرفض أى مبادرة فى هذا الاتجاه، وإعلام يتعامل مع هذا التعهد بوصفه التزامًا معلنًا يُحاسَب عليه الجميع، ونقاش عام حر حول الاستحقاقات المقبلة. حينها فقط يفقد مروّجو الشائعات بضاعتهم، لأن الواقع سيسبقهم إلى الإجابة.
• • •
تأتى ثانى النقاط وهى الوعى فى مواجهة المنصات، وهى المعركة الأصعب؛ حيث حذّر الرئيس من أن الخطر الأبرز اليوم هو استهداف الوعى الوطنى والعبث بالذاكرة الجمعية، وأشار إلى أن الحرب النفسية ليست جديدة، فقد عرفتها مصر فى الستينيات والسبعينيات بأدوات مختلفة، والجديد اليوم هو السرعة والانتشار. فمنشور واحد مجهول المصدر قد يصل إلى الملايين قبل أن يصدر أى توضيح رسمى، وقد يصنع حالة غضب لا تصمد أمام أول فحص للحقائق.
التحذير فى محله؛ فالتجربة القريبة فى المنطقة تُظهر أن إسقاط الدول من الداخل لا يحتاج دائمًا إلى جيوش، بل قد يكفيه تآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته. وكان لافتًا قول الرئيس: «حصنوا بلدكم ضد هذه المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس»، فهو يفصل بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن شخص، وهو فصل ضرورى لأى خطاب وطنى ناضج.
لكن مواجهة التضليل لا تنجح بالتحذير وحده؛ فالشائعة تزدهر حيث تغيب المعلومة، وكل فراغ تتركه الجهات الرسمية فى تفسير قرار اقتصادى أو أزمة طارئة تملؤه منصات لا تعرف المسئولية. لذلك فإن أقوى سلاح ضد العبث بالعقول هو الشفافية السريعة، عن طريق بيانات دقيقة، ومتحدثين رسميين يجيبون قبل أن يُسألوا، ومساحة أوسع للصحافة الجادة كى تتحقق وتنتقد. ودعوة الرئيس إلى أن تكون مواجهة هذه الحملات مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع تعنى بالضرورة أن يُمنح المجتمع أدوات المشاركة، لا أن يُطلب منه الدفاع فقط.
وهنا ينبغى التذكير بأن الشائعة تبلغ ذروة خطورتها حين تتحول إلى رواية موازية يتقبلها الناس بوصفها البديهية التى لا تحتاج إلى دليل. وتجربتنا القريبة شاهدة على ذلك؛ فخلال أزمة النقد الأجنبى بين عامى 2022 و2024، شاعت رواية تقول إن انهيار الجنيه مستمر، وإن السعر الحقيقى هو سعر السوق السوداء لا السعر الرسمى. ولم تبقَ هذه الرواية مجرد كلام، بل تحولت إلى سلوك؛ إذ اندفع كثيرون إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار والذهب، فاشتد الطلب وارتفع السعر أكثر، وكأن الشائعة صنعت بنفسها الأزمة التى تنبأت بها. هكذا تعمل الرواية الموازية، فهى لا تكتفى بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله. ولهذا فإن مواجهتها تبدأ بمعلومة رسمية أسرع وأوضح منها، قبل أن تستقر فى وعى الناس كأنها الحقيقة الوحيدة.
• • •
وفى الملف الثالث جاء رد الرئيس على تصريحات مسئول إسرائيلى بشأن سيناء هادئًا فى نبرته، حاسمًا فى مضمونه. فمصر خاضت حربها دفاعًا عن أرضها واستعادتها كاملة، ولا تحمل أجندات خفية ولا مطامع تجاه أحد. ثم تساءل الرئيس بترفع عما إذا كانت لدى بعض الأوساط فى إسرائيل هواجس غير مبررة من مطامع مصرية. والسؤال فى محله؛ فالتاريخ يشهد أن مصر لم تكن يومًا الطرف الذى يتوسع على حساب جيرانه. وسيناء أرض مصرية استُعيدت بالحرب ثم بالتفاوض، ولا مجال فيها لأى التباس. وما يُطرح فى بعض الأوساط الإسرائيلية عن «نوايا مصرية» يبدو أقرب للاستهلاك المحلى وتعزيز الفرص الانتخابية، أو محاولة لتبرير سياسات تصعيدية بخلق عدو متخيَّل.
والموقف المصرى فى هذا الملف متسق مع نفسه: التزام بمعاهدة السلام بوصفها الإطار الحاكم للعلاقة، وتمسك بحل الدولتين بوصفه الطريق الواقعى إلى سلام عادل يقيم دولة فلسطينية (ولا نقول دولة إسرائيلية لأنها قائمة بالفعل). وهذا ليس موقفًا طارئًا، بل رؤية ثابتة منذ عقود. وكذلك جاء التأكيد على أن أمن الخليج جزء من الأمن القومى المصرى، وأن القاهرة تعمل على خفض التصعيد وتأمين الملاحة، وهى رسالة بأن مصر تريد دور الضامن للاستقرار، لا الطامع فى النفوذ.
الخلاصة، إذا كان هناك عنوان واحد يجمع ما قاله الرئيس، فهو أن «ما نقوله هو ما نفعله». لا تعديل للدستور من أجل البقاء، ولا أجندات خفية تجاه الجوار، ولا قبول بأن تُدار عقول المصريين من منصات التضليل. لكن الكلمات وحدها لا تكفى لهزيمة الشائعة أو طمأنة المتوجس؛ فما يحسم المعركة هو أن تأتى الأفعال مطابقة للأقوال، فى الداخل قبل الخارج. حين يرى المواطن الدستور محترمًا، والمعلومة متاحة، والنقد مسموعًا، ستسقط أوهام الجماعات التى تستثمر فى الشك. وحينها تصبح عبارة «خلوا بالكم من مصر» عهدًا متبادلا بين الدولة ومواطنيها، لا مجرد نداء.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية