«مسمار جحا»..

محمود قاسم
محمود قاسم

آخر تحديث: الجمعة 17 يناير 2020 - 10:30 م بتوقيت القاهرة

هل تصلح شخصية جحا أن تكون سينمائية للأفلام الروائية؟ أغلب الظن لا، فهذه الشخصية موجودة بشكل نادر فى السينما المصرية، كما كانت بعيدة عن القاضى الذى نعرفه حسبما جسدها عمر الشريف فى فيلم تونسى فرنسى 1957، كأنه شخصية ثانية، أغلب الظن أن تجربة فيلم «مسمار جحا» التى قدمها المخرج إبراهم عمارة تؤكد أن علاقة الناس بجحا هى الاسكتشات ــ النوادر المروية عن جحا التى لا تتعدى أن تكون نكتا متعددة الكلمات والجمل، كل نادرة منها هدفها الاضحاك نتيجة للموقف الذى ترويه النادرة، ولذا فإن فيلم «مسمار جحا» قد يكون فيلما متماسك الحكاية؛ لأنه مجموعة من المرويات المتناثرة حصلت فى حياة جحا على مدى طويل من السنين، و لم يستطع الإفلات من الحكى على طريقة «كان مرة جحا»، أى أن هناك قصصا واهية فى الفيلم تتخللها مواقف مضحكة، وقد قام كاتب السيناريو بتجميع مواقف موجودة فى الطبعات الشعبية ما جعل كلام القاضى جحا أن تكون أقوالا وأفعالا مباشرة، مليئة بالفجاجة، واضحة للغاية، وهناك شىء يثير الحيرة فى تاريخ عرض الفيلم وهو سبتمبر 1952، أى بعد ثورة يوليو بأسابيع قليلة، وبالنظر إلى افلام وطنية كثيرة عرضت فى النصف الثانى من العام يتأكد أن أفلاما نضالية كثيرة تم انتاجها قبيل حركة الضباط، وعرضت جماهيريا، وأن كل هذه الأفلام كانت المخاض الطبيعى لحريق القاهرة فى بداية السنة، اذ إن هناك اتهامات باطلة أن رقابة العصر الملكى وقفت ضد عرض افلام وطنية تنادى بريطانيا وجنودها بالرحيل عن مصرمنها: «الايمان» و«مصطفى كامل» لأحمد بدرخان، و«يسقط الاستعمار» اخراج حسين صدقى، وبالطبع فيلم «مسمار جحا». وهو فيلم سياسى فى المقام الأول، حتى وإن قام فيه إسماعيل يس بدور ابن جحا، الساذج دوما، لكن فى الحقيقة فهو مأخوذ عن مسرحية لعلى أحمد باكثير، مندوب الثقافة الوهابية فى منتصف القرن العشرين، والفيلم كتبه وأنتجه أنور وجدى، والسيناربو شارك فيه أبوالسعود الأبيارى، أما باكثير فهو كاتب الحوار باعتبار ما جاء فى النص الأدبى.
نعم.. إنه فيلم سياسى، يقف فيه حجا ضد الظلم أو من يسمى بالحاكم، ثم نكتشف فجأة أن الحاكم ليس هوالمسئول الأول فى البلد بل إن هناك السلطان الذى يعلو الحاكم فى المكان، فجحا الذى هاجم الحاكم الظالم (جسده زكى رستم)، سرعان ما يردد: «عاش مولاى السلطان» أكثرمن مرة، وهو الذى يعيد جحا إلى وظيفته ويبدو التاريخ هنا متداخلا مشوشا، فالحاكم هو المستعمر، أى مستعمر لا نعرف.. ومن يكون الحاكم، ومن هو السلطان، أيضا لا نعرف، وهناك احاديث وهتافات عن الاستقلال، ويعلن السلطان ان الشيخ جحا هو قاضى القضاة، وسرعان ما ينادى جحا بحياة السلطان، وهو يقوم بالتكبير، وسرعان ما يقوم الفيلم بعمل مظاهرة لمناصرة السلطان، ويتحدث الشيخ جحا بكلام انشائى مجوف، ويبدو هنا كأنه يختلف تماما عن جحا الثائر الذى عرفناه فى بداية الفيلم، وهذه النسخة موجودة على اليوتيوب، سرعان ما نرى طرفين يتجادلان، الطرف الأول يمثله الحاكم الذى يحظر على الشعب الحديث فى السياسة، لذا، فإننا أمام فيلم أشبه بمنشور سياسى أجوف، وأنا لا أعرف الظروف التى صاحبت عرض الفيلم واستمراره لسنوات فى منطقة الظل، والغريب، ليس من الغريب أبدا، أن أسلوب التمثيل لدى جميع ابطال الفيلم الذين يتكلمون فى السياسة يمثلون باسلوب متشابه زاعق جدا أما الطرف الثانى فإنه يتحدث عن المحتل الغاصب، ومن هنا تأتى فكرة مسمار جحا، حين يبيع شخص بيته إلى مالك جديد، على أن يبقى مسمارا مملوكا للمالك القديم، لا يمكن ان يكون هناك تغيير فى الفيلم فى تلك الفترة، لكن الفيلم يقوم بتدويل مشكلة الاستعمار، ولعل هذا هو السبب الذى من أجله فإن الفيلم ينتمى إلى الفترة الملكية، وسوف نكتشف ان كل هذا العدد من النجوم كانوا يمثلون بطريقة ابراهيم عمارة، وهى طريقة الزعيق المباشر، ولكن على طريقة تمثيل الوعظ، والآن فإن المشاهد لابد أن يصاب بالحيرة وهو يشاهد حصة من التربية الوطنية لم تساعد أبدا فى التأثير على السلوك؛ لأنه بكل بساطة ملىء بالمباشرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved