الحلاق فى مصر الفرعونية

حسين عبدالبصير
حسين عبدالبصير

آخر تحديث: الأحد 17 مارس 2019 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

اهتم المصريون القدماء بالنظافة البدنية أشد اهتمام. وكان المصريون القدماء يحلقون لحاهم ورءوسهم. وفى بعض الأحيان احتفظوا بالشارب أو اللحية المستعارة. ونادرا ما نرى رجالا بلحية وترتبط اللحية عادة بالحزن. وكان المصريون يحلقون شعرهم بالكامل، أو يتركون شعرهم قصيرا على شكل دائرى بقص مستدير.
وكان الحلاق مسئولا عن قص الشعر وحلق اللحية وإزالة الشعر الزائد من الجسم، بالإضافة إلى قص الأظافر. وإذا كان مرتبطا بالقصر الملكى فهو مسئول عن رعاية الشعر المستعار وتصفيفه. وفى الدولتين القديمة والوسطى، تعددت أشكال شفرات الحلاقة. وكانت الأولى ذات شفرة رباعية الزوايا وبها مقبض صغير. وكانت الثانية ذات شفرة شبه منحرفة. وكان النوع الثالث عبارة عن شفرة على شكل منشار وذات قاعدة. ولعبت شفرات الحلاقة دورا مهما فى الحياة اليومية حيث استخدم الرجال الشفرات لحلاقة لحياهم ورءوسهم لأسباب صحية ولتجنب انتشار القمل والحشرات فى شعرهم. واستخدمت النساء الشفرات للتخلص من شعر الجسم غير المرغوب فيه. وفى معظم الأحيان كان يتم وضع الأشياء التى كان يستخدمها المصرى القديم فى حياته اليومية فى المقابر لاستخدامها فى الحياة فى العالم الآخر كجزء من الأثاث الجنائزى.
***
وفى مقبرة توت عنخ آمون عثرنا على نماذج من أمواس الحلاقة داخل وعاء فى صندوق من الخشب. وفى بعض مقابر الأسرة السادسة فى إدفو، تم العثور على صندوق يحوى العديد من الأمواس المصنوعة من النحاس التى كانت تمثل جزءا من الأثاث الجنائزى لصاحب المقبرة، كما عثرنا على نفس النماذج فى مقابر دير المدينة بالأقصر. وتوضح هذه الأمثلة أن هذه الأمواس كان يستخدمها النساء والرجال. وكان لها دور كبير فى حياتهم وفى العالم الآخر.
وكان على الحلاق أن يبلل الرأس قبل الحلاقة ولا يستخدم الصابون. وكان يجب استخدام الزيوت والمراهم لتنعيم البشرة والشعر، بالإضافة إلى إزالة شعر الجسم غير المرغوب فيه. وكانت أدوات الحلاقة وإزالة الشعر الزائد توضع فى المقابر لاستخدامها مرة أخرى فى العالم الآخر. وفى مقبرة «عنخ مع حور» من الأسرة السادسة بسقارة كان هناك منظر لرجل يقوم بتدليك أقدام شخص آخر وهو واقف، وإلى جانبه رجل ثانٍ جالس أمامه يقوم بإزالة الشعر الزائد غير المرغوب فيه. وغالبا كان الحلاق يقوم بعمله فى السوق حيث كان يقوم واحد بحلق الرأس، وآخر ينزع الشعر من منطقة الأرجل، وآخر من العانة، بالإضافة إلى عملية الباديكور والمانيكور. وأيضا كانت تتم ممارسة الحلاقة فى الهواء الطلق أو تحت ظل شجرة، أو فى القصر الملكى والمنازل فى الدولة القديمة.
وكان الملك يستعد ويحلق ويرتدى ملابسه قبل أن يظهر ويقابل المسئولين فى الدولة الوسطى. وكان ارتداء الشعر المستعار مقتصرا على الرجال أصحاب المكانة العالية فقط. وكانت التسريحة الأكثر رقيا هى وصول الشعر إلى الكتفين، فى حين كان الذى يقدم القرابين يرتدى باروكة قصيرة مستديرة. وتوضح مناظر مقبرة «وسر حات» وجود حلاقين أثناء قصهم للشعر. ونرى الزبائن موجودين بكثرة، ومنهم من يجلس على الأرض، ومنهم من يجلس على مقعد بثلاث أرجل، وآخرون يتشاركون المقعد. واهتم الكهنة أيضا بإزالة الشعر حيث أنهم اعتبروه من علامات عدم الطهارة، بالإضافة إلى استخدام الملاقط وأدوات إزالة الشعر اللاصق وشفرات الحلاقة. وكان يوجد أيضا الحلاقون المرتبطون بالمعابد مثل منظر الحلاق فى معبد الشمس الخاص بالملك «وسر كاف»، والذى كان مسئولا عن حلاقة رأس وجسد الكهنة.
***
وتقلد بعض الحلاقين بعض المناصب الرفيعة فى الدولة القديمة. فكان منهم رئيس حلاقى القصر الملكى، ومراقب الحلاقين الخاص بالحى الملكى أيضا، وحلاق القصر. وتم توريث مهنة الحلاق من الأب إلى الابن، فكان «سيبا ستى» حلاقا للقصر الملكى فى عهد تحتمس الثالث وكان والده «نب سحى حو» حلاقا لمعبد الربة باستت. وكان الحلاق مختصا بتزيين الملك بعد الوفاة للبعث مرة أخرى فى العالم الآخر وهو حلق اللحية وشعر الرأس. وفى الأسرة العشرين كان الحلاق يرسم الجفون ويضع الكحل الواقى ويعطى بعض الوصفات الطبية. وفى بعض الحالات كان طبيب عيون. وهناك القليل من المعلومات حول الوضع الاجتماعى للحلاق فى مصر القديمة. وفى أغلب الأحيان كان الحلاق ذا مكانة اجتماعية متواضعة. وكان الحلاق يخدم جميع الطبقات الاجتماعية المختلفة مثل الخادم والطباخ والمزارع. وكان يصور أحيانا برأس حليقة.
وتوجد عادات موروثة من مصر الفرعونية، وهى عادة حلق شعر الطفل باستثناء القليل من خصلات الشعر، وتجرى هذه الطقوس فى الكنيسة إذا كان الطفل مسيحيا، ويقوم الكاهن بتكريس خصلات الشعر، ويمكن أن يقوم بعمل أول قصة شعر فى اليوم السابع من ولادة الطفل، وفى هذا اليوم تُقام العقيقة، ويوزع اللحم على الفقراء. وتوجد عادة أخرى وهى وضع خصلات شعر الطفل فى كرات الطين. وهذا الاعتقاد لضمان الحماية من الأمراض والتأثيرات السلبية. وكان من الممكن وضع مسحوق أبيض يغطى الكرات الطينية المغلقة. وتوجد صلة بين مهنة الحلاقة وممارسة الطقوس الدينية فى مصر القديمة. وبالإضافة إلى ظهور عادة مهمة جدا فى مصر القديمة وهى الختان الذى تم التعرف عليها من خلال منظر مقبرة من الأسرة الخامسة.
وتشبه مهنة الحلاق فى مصر القديمة مهنة الحلاق فى مصر اليوم من حيث قص شعر وحلق الرأس للأطفال والبالغين والأموات وحلق اللحية وإزالة الشعر وتقليم أظافر أصابع اليدين والأرجل، كما فى مصر الحالية فى صالونات الحلاقة. وكانت تعرف هذه المهنة باسم المزين أى الذى يزين وليس يحلق فقط.
إن مصر الفرعونية حية لم تمت وتعيش فينا وبيننا وتحت جلودنا.
مدير متحف الآثار ــ مكتبة الإسكندرية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved