بين السويس ١٩٥٦ وإيران ٢٠٢٦.. لحظة السويس للولايات المتحدة الأمريكية
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
الجمعة 17 أبريل 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
فى التاريخ الدولى لحظات فارقة لا تُقاس فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل بما تتركه من آثار عميقة على المكانة السياسية والرمزية للقوى الكبرى. من بين هذه اللحظات تبرز أزمة العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956 بوصفها نقطة تحول حاسمة فى مسار الإمبراطورية البريطانية، حيث كشفت حدود القوة الإمبراطورية، ومهدت لبداية أفولها، بينما صعدت فى المقابل مكانة جمال عبدالناصر كرمز للتحرر الوطنى فى العالمين العربى والنامى. اليوم، وبعد حرب إيران فى 2026، يثور تساؤل مشابه: هل نعيش لحظة تاريخية موازية تشير إلى بداية تراجع الهيمنة الأمريكية، حتى وإن اختلفت السياقات والنتائج المباشرة؟
فى عام 1956، اتخذ عبدالناصر قرارًا سياديًا بتأميم قناة السويس، وهو القرار الذى اعتبرته بريطانيا وفرنسا تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية. جاء الرد سريعًا عبر تحالف عسكرى ضم لندن وباريس إلى جانب تل أبيب، فى عملية عسكرية هدفت إلى إسقاط النظام المصرى واستعادة السيطرة على القناة. وعلى الرغم من التفوق العسكرى الواضح للمعتدين، فإن الحملة انتهت بفشل سياسى ذريع تحت ضغط دولى، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. هذا الفشل لم يكن مجرد انتكاسة تكتيكية، بل شكل ضربة قاصمة لصورة بريطانيا كقوة إمبراطورية قادرة على فرض إرادتها، وأعلن عمليًا بداية نهاية دورها العالمى التقليدى.
تكمن أهمية لحظة السويس فى أنها كشفت التناقض بين القدرة العسكرية والقدرة السياسية. فقد استطاعت بريطانيا وفرنسا تحقيق أهداف عسكرية جزئية، لكنها عجزت عن ترجمة ذلك إلى مكاسب سياسية مستدامة. بل على العكس، أدت العملية إلى عزلتهما دوليًا، وإلى تصاعد حركات التحرر الوطنى فى مستعمراتهما، وإلى تعزيز مكانة عبدالناصر الذى تحول إلى بطل قومى وقائد لحركة عدم الانحياز.
إذا انتقلنا إلى اللحظة الراهنة فى 2026، نجد أصداء مشابهة فى سياق مختلف. فالحرب التى خاضتها الولايات المتحدة، بدعم من إسرائيل، ضد إيران، قد تكون حققت بعض الأهداف العسكرية أو التكتيكية، لكنها، وفق كثير من المؤشرات، لم تفضِ إلى مكاسب سياسية واضحة. بل إن تداعياتها الإقليمية والدولية توحى بتآكل فى صورة القوة الأمريكية، وتراجع فى قدرتها على بناء توافقات دولية حول سياساتها.
فى هذا السياق، تلعب سياسات دونالد ترامب دورًا محوريًا فى تفسير هذا التآكل. فإدارته، التى اتسمت بنهج أحادى وتفضيل الأدوات العسكرية والضغوط القصوى، أضعفت من شبكة التحالفات التقليدية للولايات المتحدة، وأثارت شكوكًا لدى الحلفاء قبل الخصوم حول مصداقية الالتزامات الأمريكية. ومع أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا هائلًا، فإن قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى نفوذ سياسى مستقر تبدو أقل وضوحًا مما كانت عليه فى عقود سابقة.
• • •
هنا يبرز وجه الشبه مع لحظة السويس: فى الحالتين، هناك قوة عظمى أو إمبراطورية تمتلك أدوات القوة الصلبة، لكنها تواجه صعوبات متزايدة فى توظيفها لتحقيق أهداف سياسية مستدامة. غير أن أوجه الاختلاف لا تقل أهمية. فبريطانيا فى 1956 كانت بالفعل فى مرحلة تراجع نسبى بعد الحرب العالمية الثانية، وتعتمد بشكل متزايد على الدعم الأمريكى. أما الولايات المتحدة اليوم، فلا تزال القوة العالمية الأولى بلا منازع، وإن كانت تواجه تحديات متصاعدة من قوى أخرى مثل الصين.
كما أن النظام الدولى فى 1956 كان يتسم بثنائية قطبية واضحة بين واشنطن وموسكو، بينما يشهد النظام الحالى درجة أعلى من التعددية والتعقيد، حيث تتداخل أدوار القوى الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق. هذا التعقيد يجعل من الصعب الحديث عن لحظة أفول حاسمة شبيهة بلحظة السويس، لكنه لا ينفى إمكانية وجود مسار تراكمى من التآكل فى الهيمنة الأمريكية.
من ناحية أخرى، تختلف طبيعة الفاعلين المحليين. ففى 1956، كان عبدالناصر يمثل مشروعًا تحرريًا واضح المعالم، واستطاع توظيف الأزمة لتعزيز شرعيته الداخلية والخارجية. أما فى الحالة الإيرانية، فالوضع أكثر تعقيدًا، إذ لا تحظى إيران بإجماع إقليمى أو دولى مماثل، بل تواجه انتقادات واسعة لسلوكها الإقليمى. ومع ذلك، فإن صمودها النسبى فى وجه الضغوط العسكرية قد يُترجم، كما حدث فى حالات تاريخية أخرى، إلى مكاسب سياسية أو رمزية على المدى الطويل.
• • •
السؤال الأهم إذن ليس ما إذا كانت 2026 تمثل لحظة سويس أمريكية بالمعنى الحرفى، بل ما إذا كانت تكشف عن حدود متزايدة للقوة الأمريكية فى عالم يتغير بسرعة. فى هذا العالم، لم تعد الهيمنة تُقاس فقط بالقدرة على الانتصار فى الحروب، بل بالقدرة على بناء نظم إقليمية مستقرة، وإدارة الصراعات بفعالية، والحفاظ على شبكة من التحالفات القائمة على الثقة المتبادلة.
إذا كانت أزمة السويس قد علمتنا أن القوة العسكرية لا تكفى للحفاظ على الإمبراطوريات، فإن تطورات اليوم تشير إلى أن هذا الدرس لا يزال صالحًا. الولايات المتحدة قد لا تكون على أعتاب أفول سريع أو دراماتيكى، لكنها تواجه تحديًا حقيقيًا فى إعادة تعريف دورها العالمى، وفى الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة وإدارة التوازنات.
فى النهاية، يمكن القول إن المقارنة بين 1956 و2026 ليست مقارنة بين لحظتين متطابقتين، بل بين نمطين من الأزمات يكشفان عن حقيقة واحدة: أن الشرعية السياسية والقدرة على بناء التوافقات الدولية تظل العنصر الحاسم فى استدامة النفوذ العالمى. وإذا كانت بريطانيا قد دفعت ثمن تجاهلها لهذه الحقيقة فى السويس، فإن الولايات المتحدة مدعوة اليوم إلى استيعاب الدرس ذاته، قبل أن تتحول لحظة التآكل التدريجى إلى نقطة انعطاف تاريخية أكثر وضوحًا.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى