عبث الأسواق
محمود محي الدين
آخر تحديث:
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
اختبرت تطورات الأسواق المالية مؤخرًا ثوابت فإذا بها قد تغيرت، ومعتقدات فإذا بها قد تبدلت. فقد كان من المعتاد أن يرتفع سعر الذهب فى زمن الصراعات والحرب فإذا به ينخفض. ولتبحث عن التفسير فى أسعار الفائدة. فالحرب تعنى ارتفاع أسعار الطاقة وسلع أخرى، فيرفع البنك الفيدرالى سعر الفائدة كبحًا للتضخم فتزيد قوة الدولار ويرتفع الطلب عليه؛ فالذهب لا يمنح حامله عائدًا على عكس الدولار. كما أن الذهب يقيَّم بالدولار عالميًا فارتفاع سعر الدولار يزيد تكلفة الذهب فيقل الطلب عليه. والطلب على الذهب مدفوع بمخاوف تصاحب بداية الحروب والأزمات، فعندما تتبدد المخاوف ينخفض الطلب عليه بالتبعية. كما أنه فى وقت التوتر يزداد الطلب على السيولة من الدائنين، والذهب المحتفظ به أيسر تسييلًا إلى نقود فيزداد عرضه فينخفض سعره. كما تتجه بنوك مركزية فى وقت الأزمات بالدفاع عن عملتها المحلية مقابل الدولار فتتنازل عن جانب من الاحتياطى الدولى من الذهب فيزيد عرضه وينخفض سعره.
وقد كان من المتعارف عليه أن تنخفض أسواق المال مع صدور تقارير تشير إلى تراجع التشغيل وارتفاع البطالة، فإذا بها ترتفع. ولتبحث عن السبب مرة أخرى فى أسعار الفائدة. فمنذ الأزمة المالية العالمية فى 2008 صارت الأسواق المالية معتمدة على تمويل رخيص لها. ونعلم أنه إذا ساء وضع البطالة وظهرت أشباح الركود يخفض البنك الفيدرالى أسعار الفائدة، وتزيد السيولة فيرتفع الطلب على الأوراق المالية. كما أن كثيرًا من الأوراق المالية الرائجة لا تعتمد على الطلب على العمالة قدر اعتمادها على كثافة رأس المال كحال الشركات التكنولوجية المسيطرة على الأسواق.
ويشير الاقتصادى البريطانى جيم أونيل إلى أن السوق المالية الأمريكية تقيَّم اليوم بنحو 77 تريليون دولار، أى نصف قيمة الأسواق المالية العالمية، لكن نصيب الاقتصاد الأمريكى لا يتجاوز ربع الاقتصاد العالمى، الذى يتجه مركز جاذبيته إلى الشرق، حيث الصين والهند وجوارهما. السؤال الحرج، والمعلقة إجابته على تطورات السوق والاقتصاد الحقيقى: هل سيندفع الاقتصاد الأمريكى إلى نمو مرتفع يتنبأ به المتفائلون بفضل زيادة الكفاءة والإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، التى تشهد شركاته طروحات فى الأسواق وصعودًا فى التقييم أم أن السوق ستصيبها موجات من التصحيح والتراجع تقترب بها من واقع الاقتصاد الحقيقى؟ ويذكر أونيل بأنه قد حدث تصحيح عنيف للسوق المالية اليابانية التى كان رأسمالها السوقى 45 فى المائة من السوق المالية العالمية فى بداية التسعينيات، ثم أصابها ما أصابها من تراجع على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد.
ويُعقد هذا الأسبوع الاجتماع الأول لتحديد أسعار الفائدة للبنك الاحتياطى الفيدرالى برئيسه الجديد كيفين وارش، والذى ترصده الأسواق من كثب. وفى حين لا تتوقع الأسواق المالية حاليًا رفعًا أو خفضًا لسعر الفائدة، لكن مصداقية الرئيس الجديد واستقلاله محل توقع واختبار لتوجهاته. فقد تعرض سلفه جيروم باول لنقد مستمر من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لامتناعه عن تخفيض أسعار الفائدة. ويأتى وارش مسبوقًا بانطباعات عن أن ولاءه لترامب قد يدفعه إلى تغليب دوافع الاستجابة لضغوط سياسية واقتصادية راهنة على استقرار الأسواق والسيطرة على التضخم فى الأجل الأبعد. علمًا بأن البنك الفيدرالى يتميز عن غيره من البنوك المركزية، بأنه مفوَّض من الكونجرس بالسعى لتحقيق أعلى مستوى للتشغيل، أى تخفيض البطالة، فضلًا عن المهمة المعتادة للسلطات النقدية فى الحفاظ على الاستقرار النقدى بتخفيض معدلات التضخم. وبالإضافة إلى هذا التفويض المزدوج، فهو مسئول عن الاستقرار المالى بالرقابة على البنوك وملاءتها.
ويواجه البنك الفيدرالى ارتفاعًا لمعدل التضخم بلغ 4.2 فى المائة فى شهر مايو الماضى، وهو المعدل الأعلى منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وهو أكبر من ضعف المستهدف المعلن وهو 2 فى المائة. وقد كان معدل التضخم فى شهر فبراير الماضى 2.4 فى المائة، ثم توالى ارتفاع الأسعار متسارعًا متزامنًا مع عُرف بالولايات المتحدة بأثر حرب إيران. والوضع الراهن لا يبرر حتمًا تخفيض الفائدة، خلافًا لرغبة الرئيس الأمريكى، خصوصًا مع تحسن مؤشرات البطالة، وفقًا للتقرير الأخير عن سوق العمل؛ لذا سيتجه تصويت أغلبية الأعضاء للتثبيت، وتصويت وارش فى جانب الأغلبية يعزّز الإشارة لاستقلاله التنفيذى عن ترامب، كما يعطيه فرصة فى المؤتمر الصحفى لشرح ما تظهره بيانات تقارير التضخم والبطالة من تطورات. وإن كان قد انتقد، وعن حق، إفراط قرارات تحديد الفائدة فى الاعتماد على بيانات لا تعكس آنيًا تطورات الاقتصاد. فالتقارير المشار إليها قد تعكس ما حدث، وليس ما يحدث فعلًا أو المتوقع حدوثه؛ ما جعل قرارات الفيدرالى محل انتقاد بأنها متباطئة فى التعامل مع التضخم، وأنها تصورت خطأً موجات من التضخم بأنها عابرة على خلاف طبيعتها فلم تتخذ حيالها إجراءً بما جعل هذه الموجات تستمر لفترة أطول.
وفى هذه الأثناء، يعرض التقرير الأخير عن آفاق الاقتصاد العالمى، الصادر منذ أيام عن البنك الدولى، مؤشرات عن تراجع حاد فى معدلات النمو العالمى لتصل إلى 2.5 فى المائة، وهى الأدنى منذ جائحة كورونا، مع انخفاض متوقع لنمو البلدان النامية والأسواق الناشئة إلى 3.6 فى المائة؛ وهو ما يهدد فرص التشغيل ويعقّد فرص تحقيق أهداف التنمية فى هذه البلدان التى تتوقع أن تستقبل 1.2 مليار باحث عن عمل على مدى العقد المقبل. وهى أمور رغم أهميتها ليست محددة لقرار البنك الفيدرالى، ولا تكترث بها الأسواق المالية، وهى فى فورات صعودها حتى حين.
نقلًا عن الشرق الأوسط