سمراء سيناء

محمود قاسم
محمود قاسم

آخر تحديث: الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

ما زال الغموض يغلف الإعجاب الشديد الذى عبّر عنه نيازى مصطفى فى بعض أفلامه، عن تقديسه وحبه للحياة الصحراوية، ومؤازرته لأبطال الصحراء فى التاريخ، ومنهم عنترة بن شداد وفارس بنى حمدان، ومن المرجح أن يكون سبب هذا الإعجاب هو ارتباطه الأبدى بزوجته الممثلة كوكا التى قامت ببطولة أفلام كثيرة من إخراج زوجها، منها: «رابحة»، و«عنتر وعبلة»، و«عنترة بن شداد»، وأيضًا أفلام ذات طابع دينى، منها «رابعة العدوية» من تمثيل نبيلة عبيد

 ونقصد بأفلام الصحراء هنا تلك الأفلام التاريخية والمعاصرة التى تدور فى أى جزء من صحراء مصر، ولعل فيلم «سمراء سيناء»، الذى شارك المخرج فى كتابته عام 1957، هو نموذج على علاقة غرام تنمو بين شاب قادم من المدينة وفتاة صحراوية تعيش فى القبيلة مع أهلها.

وباعتبار أن من قوانين الحياة عدم زواج البنت الصحراوية من الشاب المدنى، فإن هذا النوع من الحب يُعد مستحيلا.

وبشكل عام، فإن أغلب أفلام نيازى تمس الحب المستحيل، فعنترة مثلا ممنوع عليه الزواج من ابنة وجيه فى القبيلة؛ لأنه عبد أسود، أما هى فهى الجميلة المتمردة التى تصر على الاقتران بعنترة مهما كانت الصعوبات والإغراءات. وتدور أحداث فيلم «سمراء سيناء» إبان العدوان الثلاثى على سيناء، أى فى زمن الحرب، وهناك عادل الذى يعمل مهندسًا فى إحدى شركات البترول التى مقرها سيناء، ويتم النظر إلى شبه الجزيرة على أنها أمل مصر فى إنتاج البترول أسوة ببعض بلاد الخليج، ولذا فإن العين مركزة على عادل، المتزوج من زوزو، المرأة القادمة معه من الوادى، والتى تخونه مع أحد أقربائها، وتنتظر أن تتخلص من عادل بفضل هذا العشيق.

وتعلم بالسر الفتاة البدوية سمرا التى تقع فى حب عادل، وتسعى لإنقاذه من خطر الموت، وتهرب معه حتى يصلا إلى بر الأمان.


ليست هذه هى المرة الأولى التى نرى فيها قصة حب مستحيلة بين بدوية ورجل من المدينة، وقد سبق أن رأينا فى فيلم «رابحة» أن الشاب المتفرنج يأتى بالفتاة رابحة إلى بيته كى يحميها من الزواج المفروض عليها من أحد أقربائها، وتبدو الفتاة مندهشة إلى حد كبير من نسق الحياة فى البيت المدنى، وتحب صاحب البيت، وتسعى إلى الاقتران به. أى إن هناك قصصًا معاصرة تدور بين المدينة والصحراء، أى إنها تمزج بين العادات القديمة المتوارثة، مثل قوانين الزواج، بمعنى أن سمرا محكوم عليها أن تتزوج ممن وُعدت به، لكن للسينما وجهة نظر أخرى، فهى تدعو أمثال سمرا إلى الخروج على القانون، باعتبار أن الحب لا يعرف الحواجز الاجتماعية أو القبلية.

وكما نرى فإن كوكا هى بطلة كل هذه الأفلام، وقليلا ما رأيناها تقوم بدور البنت المدنية، مثلما حدث فى فيلم «سيجارة وكأس».

أما هى فقد ظلت تعمل حتى منتصف الستينيات، وكان آخر أفلامها هو «كنوز»، الذى يدور فى الواحات المصرية، ثم عادت بعد عشر سنوات لتقوم بدور قارئة الفنجان البدوية فى فيلم «أونكل زيزو حبيبى»، ليكون آخر أفلامها على الإطلاق. وقد حاول نيازى مصطفى العودة إلى أفلام الصحراء بدونها، فلم يجد من يملأ مكانها.


الآن نتساءل: أين ذهبت السينما الصحراوية التى اختفت فى مصر إلا فى حالات قليلة، منها فيلم «عرق البلح» إخراج رضوان الكاشف، والذى لم ينجح على المستوى التجارى؟ ولعلنا نذكر الأمر نفسه بالنسبة للفيلم القروى أو الريفى، الذى اختفى تمامًا من حياتنا.

لكن ربما يقال إن اختفاء الفيلم القروى كان بسبب الزحف الشديد للأسمنت والعمارات العالية على الريف فى الحياة الطبيعية، فأصبح المنظر الريفى والأفق الواسع غير موجودين بالصورة نفسها. ولكن إذا كان الريف قد اختفى فيما يشبه الواقع، فإن الصحراء لا تزال موجودة، ويعيش فيها أبناؤها، مثلما يحدث فى سيناء، وأيضًا فى الواحات غرب مصر. صحيح أن المدنية زحفت إلى حد ما، لكن لا تزال البيئة تفرض قوانينها على سكانها، ولا أعرف ماذا كان يمكن لأمثال نيازى مصطفى أن يفعلوا لو عاشوا حتى الآن، وصار لهم أن يعملوا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved