ألغاز صحفية فى الحديث عن عمالة أحمدى نجاد للموساد

خالد عز العرب
خالد عز العرب

آخر تحديث: الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:50 م بتوقيت القاهرة

بالبنط العريض صدرت نيويورك تايمز فى صفحتها الأولى تحقيقها «الحصرى» عن تفاصيل العملية الإسرائيلية السرية لتجنيد الرئيس الإيرانى الأسبق محمود أحمدى نجاد.


فى اليوم ذاته نشرت هآارتس تحقيقا طويلا للغاية بالمعايير الصحفية (أكثر من 7000 كلمة!) بعنوان «كواليس خطة الموساد لتنصيب أحمدى نجاد قائدا لإيران».


التزامن بين التقريرين لا يمكن أن يكون وليد الصدفة... فما تفسيره؟


توقعت فى بداية الأمر أن تكون الصحيفتان قد عملتا سويا على التحقيق كما يحدث أحيانا فى التحقيقات الكبرى مثل تسريبات ويكيليكس وسنودان وأوراق بنما، التى عمل عليها صحفيون من مؤسسات عدة ونشروها بشكل متزامن.


لكننى فوجئت بأن تقريرى النيويورك تايمز وهآارتس ليسا عملا مشتركا، بل ولا يحمل أى منهما إشارة للآخر ولا تفسيرا لهذا التزامن فى النشر.


هذا فى حد ذاته أمر غريب، وليس لدى تفسير له، سوى أحد احتمالين: الاحتمال الأول هو أن كل صحيفة على حدة كانت تعمل على تقريرها ثم علمت أن الصحيفة الأخرى بصدد نشر تحقيق مشابه فسارعت إلى نشر ما لديها لكيلا يفوتها السبق.


أما الاحتمال الثانى فهو أن جهة ما تقف وراء المعلومات التى نشرتها الصحيفتان وأن هذه الجهة قررت لسبب أو لآخر تسريب تلك المعلومات الآن.


ليس لدى معطيات ترجح أحد الاحتمالين على الآخر، وعلى كل الحال فإن توقيت النشر هو واحد فقط من عدة ألغاز تحيط بالتقريرين.


ولنبدأ بتقرير هآارتس، والذى يبدأ بداية جذابة عن مجموعة من عملاء الموساد يصلون إلى مطار «فى الناحية الأخرى من العالم» ويفتحون هواتفهم ليتفاجأوا بأن حماس تهاجم محيط غزة وتأسر عشرات الإسرائيليين (أى إننا يوم 7 أكتوبر 2023)، ولكنهم رغم الصدمة يتمالكون أنفسهم ويستمرون فى المهمة الموكلة إليهم: تجنيد أحمدى نجاد.


بداية درامية حقا... لكن ماذا فعل هؤلاء العملاء بعد ذلك؟ هل التقوا نجاد؟ هل التقوا أحد أعوانه؟ ما الذى أسفر عنه الاجتماع؟ أين جرى؟ أى معلومة؟


التقرير لا يحاول حتى أن يقدم إجابة، مفضلا أن ينتقل مباشرة إلى مشهد درامى آخر، حيث يطلب مدير الموساد ديفيد بارنيا فجأة من زائريه مغادرة مكتبه، ويقرر التغيب عن اجتماع مهم مع نتنياهو فى ذروة حرب الإبادة فى غزة، ليولى كل تركيزه إلى مسألة الرئيس الإيرانى السابق.


يا للهول!! ما الذى حدث؟ ماذا دفع السيد بارنيا لهذه التصرفات فجأة؟


الإجابة التى يقدمها تقرير هآارتس هى أن ذلك حدث مع «زيادة وتيرة الاتصالات مع أحمدى نجاد».


أعدت قراءة الفقرة عدة مرات لعله قد فاتنى شىء... وتيرة الاتصالات هذه ليست تيارا كهربائيا يزيد فجأة فيختل عمل الأجهزة... ما التطور المهم الذى جرى؟ وماذا فعل بارنيا بعد أن «أولى تركيزه» لنجاد؟ ما طبيعة الاتصالات مع الرئيس الإيرانى السابق؟


لا توجد إجابة.


ينتقل التقرير بعد ذلك بعيدا عن أحمدى نجاد مشيرا إلى أن الرجل مثل جزءا واحدا من خطة موسعة أعدها الموساد خلال العامين الماضيين لإسقاط النظام الإيرانى تتضمن الاستعانة بميليشيات كردية وتشجيع الاضطرابات داخل المدن الإيرانية.


والحق أن التقرير يورد معلومات مكثفة عن بعض جوانب هذه الخطة وكيف جرى النقاش حولها داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية والأمريكية، لكنه شديد القصور فيما يخص أحمدى نجاد، مكتفيا بالإشارة إلى أنه كان عميلا «مفيدا للغاية».


ولا أدرى لماذا قررت هآارتس التركيز فى عنوانها على الرئيس الإيرانى السابق، رغم شح المعلومات التى توردها عن تجنيده المزعوم، ورغم أن التقرير شمل معلومات أخرى أكثر تفصيلا وأفضل توثيقا كان من الطبيعى تحريريا أن تكون هى مدخل التقرير.


أما تحقيق النيويورك تايمز فيقدم «معلومات» أكثر عن تجنيد أحمدى نجاد، لكنه هو الآخر لا يخلو من الثغرات الصحفية.


يبدأ التحقيق أيضا بداية مشوقة عن مسئول أكاديمى فى جامعة فى العاصمة المجرية بودابست يتلقى تعليمات غير مألوفة من مسئول حكومى يطلب منه تنظيم مؤتمر عن التغير المناخى ودعوة أحمدى نجاد لحضوره.


ثم يستطرد التقرير أن هذا المؤتمر ما كان إلا غطاء (بطلب إسرائيلى للحكومة المجرية) للسماح بلقاء سرى بين نجاد وضباط فى الموساد على رأسهم مدير الجهاز ديفيد بارنيا نفسه.


وبحسب تقرير النيويورك تايمز استمرت الاتصالات بين الطرفين وعمل الموساد على خطة لإسقاط النظام الإيرانى وتولى نجاد قيادة البلاد. وبالفعل فى اليوم الأول من الحرب (28 فبراير 2026) قام الطيران الإسرائيلى بقصف محيط منزل نجاد للتخلص من حرسه الذين كانت مهمتهم بحسب مصادر الصحيفة حمايته ومراقبته فى الوقت ذاته.


اللافت أن تقريرا سابقا قبل شهرين لنفس الفريق الصحفى فى نيويورك تايمز كان قد أورد الواقعة ذاتها، ولكنه ذكر أن نجاد أصيب خلال القصف.


أما التقرير الجديد فلا يشير إلى إصابة نجاد (ولا يقدم تفسيرا لتجاهل هذا الأمر أو تصحيحه لو أن معلومات جديدة قد وردت)، ولكنه يذكر أن سيارة بيجو سوداء يقودها أحد عملاء الموساد سرعان ما ظهرت فى المشهد بعد القصف، وأقلت نجاد إلى منزل آمن تابع للمخابرات الإسرائيلية داخل إيران.


وبعد أن استقر نجاد فى المنزل الآمن التابع للموساد، يقول التقرير إنه «شعر بخيبة أمل بشأن الخطة الإسرائيلية لإعادته إلى السلطة... وغادر المنزل الآمن فى نهاية المطاف فى ظروف لا تزال غامضة».


أبهذه البساطة؟ رجل كان على اتصال بأبرز مسئولى المخابرات على مدى عامين وصار قوب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفه يقرر إجهاض كل شىء فى اللحظة الحاسمة؟ ولو افترضنا أنه قرر ذلك لعدم ثقته فى نجاح الخطة الإسرائيلية، هل يتركه عملاء الموساد يغادر مقرهم السرى ليكشف عنه هكذا ببساطة؟


هذه ليست نقطة هامشية لكى يكتفى صحفيو النيويورك تايمز بالاعتراف بأن بعض تفاصيلها «لا تزال غامضة»، بل هى عنصر مفصلى فى القصة يضع مصداقية الرواية كلها على المحك.


فمن دون تفسير منطقى لهذه النقطة، لا تتسق مقدمات الرواية التى تقدمها الصحيفة (تجنيد الموساد لنجاد للقيام بانقلاب وتهريبه أثناء الحرب تنفيذا للخطة) مع نتائجها المعروفة للكافة (لا محاولة الانقلاب المزعومة نجحت ولا تم التخلص من بطلها).


ورغم أن نجاد ظهر علنا الأسبوع الماضى فى جنازة المرشد السابق على خامنئى، فإن تقرير النيويورك تايمز يغمز ويلمز فى هذا الظهور، مشيرا إلى أنه كان وجيزا وأن مقاطع الفيديو أظهرت «السيد أحمدى نجاد مرتديا سترة ثقيلة فى حرارة بلغت 90 درجة، مع كمامة طبية منسدلة على ذقنه.. «وأنه وقف» مطأطئ الرأس، صامتا، محاطا من جميع الجهات بما بدا أنهم رجال أمن».


على كل حال، أثار التقرير ردود فعل قوية فى إيران، فأصدر مكتب نجاد بيانا يتهكم فيه على «الادعاءات الهوليوودية التى تروج لها صحيفة نيويورك تايمز»، وقام الإعلام الإيرانى غداة نشر التقرير ببث لقطات مكثفة لحضور الرجل عزاء خامنئى فى طهران (دون حرس ظاهر)، ثم بث صورا لزيارة قام بها نجاد إلى سفارة قطر لتقديم العزاء فى الأمير السابق.


هل يعنى ذلك أن رواية هآارتس ونيويورك تايمز مختلقة بالكامل وأنه لا صحة للادعاءات بأن نجاد كان عميلا للموساد؟


الله أعلم.. لكن ما يعنينى هنا هو أن جريدتين تقدمان نفسيهما كنموذج للصحافة كما ينبغى أن تكون، أفردتا صفحاتهما لتقارير فيها من الثغرات ما لا يمكن تجاهله، بل وقرر مسئولو التحرير فى الجريدتين الاحتفاء بهذه التقارير رغم إدراكهم بلا شك لهذه الثغرات.
أمر يذكر بتحقيق آخر نشرته نيويورك تايمز قبل عامين عن استخدام حماس للاعتداءات الجنسية بشكل ممنهج خلال هجمات 7 أكتوبر، وهو تحقيق زخر بالثغرات الصحفية حتى أن العشرات من أساتذة الإعلام فى الجامعات الأمريكية كتبوا خطابا مفتوحا للجريدة يطالبونها بسحبه والاعتذار عنه.


وقبلها احتفت نيويورك تايمز بتحقيق عن داعش قامت به واحدة من أهم صحفيى الجريدة وحصدت به جوائز عدة، ليتبين بعد ذلك أنه استند إلى معلومات مفبركة فى واحدة من أكبر الفضائح الصحفية خلال الأعوام الماضية.


وقبل هذا وذاك تأتى تغطية نيويورك تايمز عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة فى العراق قبل غزوه عام 2003، كنموذج كلاسيكى للخطايا الصحفية، والتى اضطرت الجريدة للاعتذار عنها لاحقا.


والعنصر المشترك بين كل هذه التحقيقات هو أن الجريدة التى دائما ما تتباهى بـ«دقتها واستقلاليتها» بدت مستعدة لتصديق روايات استخباراتية غربية عن العرب والمسلمين دون تمحيص، متخلية عن أهم واجباتها الصحفية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved