محظورات الحرب التى يقع فيها الأمريكيون والإيرانيون مجددًا
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
إن عودة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية جديدة بين قوتين متخاصمتين، وإنما تنذر بفتح فصل أكثر خطورة فى تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، فصل قد يمتد أثره إلى أمن الخليج واستقرار المنطقة بأكملها، وإلى الاقتصاد العالمى، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية. فبعد سنوات من الأزمات المتلاحقة، والحروب بالوكالة، والاشتباكات المحدودة، والضربات العسكرية المتبادلة، أصبح الشرق الأوسط يفتقر إلى القدرة على تحمل دورة جديدة من التصعيد العسكرى المفتوح. وإذا كانت جولات المواجهة السابقة قد انتهت عادة بوقف هش لإطلاق النار أو بعودة مؤقتة إلى التهدئة، فإن البيئة السياسية الحالية تجعل احتمالات الاحتواء أكثر تعقيدًا، وتزيد من مخاطر الانزلاق إلى صراع طويل يصعب التحكم فى تداعياته.
• • •
وأول المتضررين من أى مواجهة أمريكية إيرانية جديدة ستكون دول الخليج العربية. فهذه الدول تقع فى قلب المسرح الجغرافى للصراع، وتحتضن أهم المنشآت النفطية والغازية فى العالم، كما تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وتشكل شريكًا استراتيجيًا لواشنطن، وفى الوقت ذاته تقع على الضفة المقابلة مباشرة لإيران عبر الخليج العربى. ولهذا، فإن أى مواجهة عسكرية واسعة لن تبقى محصورة بين الطرفين، بل ستنعكس فورًا على أمن الملاحة البحرية، وعلى صادرات الطاقة، وعلى الاستقرار الاقتصادى والاستثمارى الذى عملت دول الخليج، خلال العقد الأخير، على ترسيخه باعتباره أحد أهم مرتكزات رؤاها التنموية الطموحة.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن الحروب فى الخليج لا يمكن احتواؤها بسهولة. فالضربات المحدودة سرعان ما تتوسع، والردود العسكرية تجر ردودًا مضادة، وتصبح حسابات الردع أقل وضوحًا مع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على الطرفين. وفى مثل هذه الأوضاع تصبح المنشآت الحيوية، والممرات البحرية، وشبكات الطاقة، أهدافًا محتملة، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا فى البداية. كما أن مجرد ارتفاع مستوى التوتر يكفى لإحداث اضطرابات كبيرة فى أسواق النفط والغاز، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإضعاف الثقة فى الاقتصاد الإقليمى.
ولا تقتصر المخاطر على الخليج وحده، وإنما تمتد إلى مجمل الشرق الأوسط. فإيران تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة غير النظامية فى عدد من الساحات الإقليمية، كما أن الولايات المتحدة تحتفظ بحضور عسكرى وسياسى واسع فى المنطقة. ومن ثم، فإن أى مواجهة مباشرة بينهما قد تدفع العديد من هذه الساحات إلى الاشتعال بصورة متزامنة، سواء فى العراق أو سوريا أو لبنان أو البحر الأحمر، بما يوسع دائرة الصراع ويزيد من صعوبة احتوائه. وعندئذ لن يكون الحديث عن أزمة ثنائية، بل عن أزمة إقليمية شاملة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
• • •
من منظور الأمن الخليجى، فإن استمرار التصعيد العسكرى يعمق أيضًا معضلة الثقة التى أصبحت السمة الغالبة فى العلاقات الإقليمية. فدول الخليج تدرك أن الاعتماد الكامل على الردع العسكرى الأمريكى لم يعد يوفر الضمانات الكافية للاستقرار، كما تدرك، فى الوقت ذاته، أن السياسات الإيرانية الإقليمية خلال السنوات الماضية قد أضعفت كثيرًا فرص بناء الثقة وحسن الجوار. وبين هذين الواقعين تجد الدول الخليجية نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فهى لا ترغب فى الانخراط فى حرب جديدة، لكنها، فى الوقت ذاته، لا تستطيع تجاهل المخاطر التى تفرضها سياسات إيران أو التقلبات التى تميز السياسات الأمريكية.
ويزيد من تعقيد المشهد أن الإدارة الأمريكية الحالية تتصرف فى كثير من الملفات الخارجية بصورة غير معتادة مقارنة بما استقر عليه السلوك الأمريكى التقليدى. فقد أصبحت القرارات تتسم بدرجة عالية من المفاجأة، ويتراجع فيها الاعتماد على المؤسسات التقليدية وآليات التنسيق مع الحلفاء، بينما تتقدم الحسابات السياسية الداخلية والشخصية، فى بعض الأحيان، على الاعتبارات الاستراتيجية طويلة المدى. وهذا النمط يجعل من الصعب على الحلفاء والخصوم، على السواء، توقع اتجاهات السياسة الأمريكية أو بناء سياسات مستقرة على أساسها، الأمر الذى يضاعف من احتمالات سوء التقدير، ويزيد من مخاطر التصعيد غير المقصود.
وفى المقابل، لا تبدو البيئة السياسية داخل إيران أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات أو الانفتاح على تسويات وسط. فالتطورات الأخيرة عززت نفوذ التيارات الأكثر تشددًا داخل النظام، وهى تيارات تنظر إلى المواجهة مع الولايات المتحدة باعتبارها دليلًا على صواب خياراتها، وترى فى التفاوض تنازلًا لا مبرر له إلا إذا جاء بعد إثبات القدرة على الصمود والردع. ومن ثم، فإن ميزان القوى الداخلى فى إيران لا يشجع حاليًا على تبنى سياسات أكثر مرونة، بل يدفع فى اتجاه التشدد والتمسك بالمواقف القصوى.
وهكذا يجد الشرق الأوسط نفسه أمام مفارقة شديدة الخطورة. ففى واشنطن إدارة يصعب التنبؤ بسلوكها، وفى طهران تتزايد قوة الأطراف الرافضة للتسويات. وبين هذين الطرفين تقف دول المنطقة مطالبة بإدارة تداعيات أزمة لا تملك السيطرة على أسبابها المباشرة، لكنها ستكون أول من يتحمل نتائجها الأمنية والاقتصادية والسياسية.
• • •
رغم كل هذه التعقيدات، يبقى البديل الوحيد الواقعى هو العودة إلى التفاوض والدبلوماسية. وليس المقصود هنا التفاؤل غير المبرر بإمكانية التوصل سريعًا إلى اتفاق شامل، وإنما الإقرار بأن جميع البدائل الأخرى أكثر تكلفة وأكثر خطورة. فالتاريخ الحديث للعلاقات الأمريكية الإيرانية يبين أن القوة العسكرية قد تؤخر بعض البرامج أو تغير بعض الحسابات التكتيكية، لكنها لم تنجح فى إنهاء الخلافات السياسية العميقة أو فى بناء نظام إقليمى أكثر استقرارًا. كما أن إيران، رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات، لم تتخلَّ عن رؤيتها لدورها الإقليمى، بينما لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض ترتيبات أمنية مستقرة اعتمادًا على القوة العسكرية وحدها.
والدبلوماسية المطلوبة اليوم ينبغى ألا تقتصر على الملف النووى وحده، على أهميته، بل يجب أن تمتد إلى مجمل القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمى. فمن الضرورى إطلاق حوار أوسع يشمل أمن الملاحة البحرية، وعدم استهداف المنشآت المدنية، واحترام سيادة الدول، والحد من استخدام الوكلاء المسلحين، ووضع آليات لإدارة الأزمات ومنع سوء التقدير العسكرى. كما ينبغى أن يكون لدول الخليج ومصر وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية دور فاعل فى هذا المسار، لأنها صاحبة المصلحة المباشرة فى نجاحه، ولأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنى من خلال تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران وحدهما.
إن القوى الإقليمية تمتلك اليوم من الخبرة الدبلوماسية ومن المصالح المشتركة ما يؤهلها للقيام بدور الوسيط وصانع التوافقات، لا مجرد المتلقى لنتائج التفاهمات الدولية. وقد أثبتت تجارب الوساطة التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أن العمل الدبلوماسى الإقليمى، رغم محدوديته، يستطيع أن يفتح نوافذ للحوار عندما تتعثر القنوات المباشرة بين الخصوم.
كما أن المجتمع الدولى، بدوره، مطالب بالانتقال من إدارة الأزمات إلى السعى لمعالجة جذورها. فالتعامل مع كل جولة تصعيد باعتبارها حدثًا منفصلًا لا يؤدى إلا إلى تأجيل الانفجار التالى. أما المطلوب فهو بناء إطار أمنى إقليمى أكثر استدامة يقوم على قواعد واضحة لاحترام السيادة، وعدم استخدام القوة إلا وفق القانون الدولى، وآليات مؤسسية للتشاور وإدارة النزاعات.
ولا شك أن الوصول إلى مثل هذا الإطار يبدو اليوم بعيد المنال، فى ظل انعدام الثقة، وتراكم الصراعات، وتباعد المواقف. غير أن صعوبة الدبلوماسية لا ينبغى أن تصبح مبررًا للتخلى عنها. فكل التجارب الكبرى فى التاريخ تؤكد أن أصعب المفاوضات هى تلك التى تبدأ بعد سنوات طويلة من الحروب والعداء، وأن البديل عنها غالبًا ما يكون مزيدًا من الدمار وعدم الاستقرار.
• • •
إن أمن الخليج والشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال جولات متكررة من القوة العسكرية، ولا عبر سياسات الردع المتبادل وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تعترف بأن الأمن الحقيقى لا يقوم على إضعاف الخصوم فقط، وإنما على بناء قواعد مشتركة تمنع تحول الخلافات إلى حروب. ولهذا، فإن العودة إلى التفاوض، مهما بدت شاقة فى ظل إدارة أمريكية تتصرف على نحو غير معتاد، ونظام إيرانى تتصاعد داخله قوى التشدد، تظل الخيار الوحيد القادر على تجنيب المنطقة كارثة جديدة. فالحرب قد تبدو، فى لحظاتها الأولى، وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، لكنها، فى نهاية المطاف، لا تنتج سوى مزيد من انعدام الثقة، وتعميق الاستقطاب، وإضعاف فرص الاستقرار التى تحتاج إليها شعوب الخليج والشرق الأوسط أكثر من أى وقت مضى.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى