رعب أكثر من هذا سوف يجىء

سيد محمود
سيد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 17 أغسطس 2021 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

غالبية من تداولوا مشاهد استيلاء طالبان على السلطة فى كابول وهروب الناس للمطارات وصفوا ما يجرى بالمشهد الفظيع.
وبالطبع لم يقرأ هؤلاء التعريف الذى كتبه المفكر السورى اللامع ياسين الحاج صالح لمعنى «الفظيع» فى كتابه الذى صدر مؤخرا عن دار الجديد فى بيروت بعنوان: «الفظيع وتمثيله».
وعلى الرغم من أن الكتاب فى متنه الأساسى يتناول ما جرى فى سوريا عبر عقود وصلت بها إلى حافة الانهيار، إلا أنه يؤصل لمعنى (الفظيع) بوصفه «ما تخرب شكله بعنف ما».
ويمتد مفهوم الخراب ليشمل الأرواح والأجساد وما تخلفه الحروب وتجارب القسوة الرهيبة من فقد الأحبة وتدمير بيئة العيش فى الأوطان، ولا يمكن للمتأمل فيما يجرى حولنا إلا القول بأنه «فظيع».
يشير الكتاب فى مضمونه الرئيس إلى أن الخطورة فيما نعيشه الآن كونه يجعلنا أقرب إلى زمن العصور الوسطى، حيث تعاد حلقات صراعات الأديان والطوائف لتكون مستقبلنا، ومعها يجرى تعميم عالمى لصورة الشرق الأوسط الجديد الذى هو أصلا مخلوق أنتجته القوى الاستعمارية الغربية ليصير هو مستقبل العالم.
يرى الحاج صالح أن إعادة إنتاج مفهوم «الإسلاموفوبيا» ليس إلا إشارة جاءت لتسجل فشل الحداثة السياسية والحقوقية على المستوى العالمى، والأهم أن «الاسلاموفوبيا» التى تشيع منذ أربعة عقود، هى وسيلة تخلق محليا البيئة الفكرية المناسبة للإسلاميين، لكى يرفعوا الحواجز فى وجه العالم والتحصن خلفها لتضمن لهم فرض التجانس الداخلى فى مجتمعاتنا.
ويقول المؤلف: «لديهم الكفاية من المبادئ الدينية التى تجعل منهم الدين الوحيد الصحيح، الأرفع من غيره والمباح له ما لا يباح لغيره، إنها الفكرة التى تزكى المركب العنصرى والطائفى وهو بالضرورة يقع فى صلب تطور الإسلامية المعاصرة التى تمثل منابع إفساد هائلة للحاضر وهى كذلك استنزاف جائر لاحتياطيات العالم من الأمل.
يتحدث ياسين فى الكتاب أكثر من مرة، عن تجارب اعتقاله وعن تجربة اختطاف زوجته سميرة، بعد مناصرته للثورة فى بلاده، ويهديها الكتاب، هى وصديقه وصديقى الكاتب اللبنانى لقمان سليم الذى تمت تصفيته قبل عدة شهور فى مشهد فظيع.
وهناك الكثير الذى يجمع لقمان والحاج صالح فقد رفضا معا أن يكون العنف هو مدخل التغيير، وانكب الأول فى آخر إنتاجاته على ترجمة كتاب جيرار حداد (فى يمن المولى )الذى يندد أيضا بالعنف مثلما يندد الحاج صالح ومثله يرى أن
«لا غلبة على التعصب، متى ما اشتد عودُه فى مكان ما، وتمكن، إلا بالحرب. أما المتعصبون الأفراد، سواء تعصبوا لدين أو عرق أو قضية، فهيهات أن يخلو العالم منهم. فإنما التعصب مرض، عضال، من الأمراض التى تصيب النفس البشرية ومن حيث إنه كذلك فمداواته، والإبلال منه، ليس بالأمر الميسور».
خرج لقمان عن «القطيع» وأراد أن يكون صاحب صوت مختلف لكن هيهات أن يسمح فقهاء الظلام بالاختلاف، فهم سادة هذه اللحظة والقابضون على جمرها.
جاءت فظاعة مشهد قتل لقمان من أمر توقعه، فقد انتظره الأهل والأصدقاء كخبر لن يتأخر، ولم يخيب القتلة الظن أبدا ولم يتقبلوا الرأى الذى كان يمثله لقمان وأشاعوا عنه ما أشاعوا، بأمل الخلاص منه كممثل لبقعة الضوء الوحيدة ولثقتهم أن الجريمة ستمر دون ثمن فى بلد يعيش تحت راية الظلام وتنتمى فيه العدالة لزمن الأساطير.
والآن لا نجد فى لبنان إلا «الواقع الفظيع» وما تبثه الفضائيات ووسائل الإعلام يؤكد أن بيروت سقطت قبل أن تسقط «كابول»
ترملت المدينة العربية التى كانت تزهو كعروس، لكن الجميع أرادوا لها أن تكبل فى ملابس الحداد.
يضعنا ياسين الحاج صالح بلغته التى ينحتها نحتا فى مواجهة مع هذا المعنى، ويعلمنا النظر فى الخراب المحيط، فى الكون الذى يخلو من الوسامة لو استعرنا تعبير شاعرنا الراحل صلاح عبدالصبور الذى حلت ذكراه الأربعون هذا الاسبوع وبقى شعره ينذرنا أن «رعب أكثر من هذا سوف يجىء».
ومع ذلك يقاوم الكتاب فى بنيته الأساسية شيوع الاستبداد أو أى نمط من أنماط العنف سواء كان عنفا جماعيا أو فرديا ويندد بمختلف صور التمييز الطائفى أو العنصرية لأنها لن تنتج غير «الفظيع» المتولد عن مزيج من العنف والكراهية ويأتى مقترنا بالألم والموت ومركبا من الغرابة والخطر والبشاعة.
وإذا نظرنا اليوم فيما يتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعى من صور تقارن ما عاشته أفغانستان قبل نصف قرن وما تعيشه الآن لن نعثر إلا على الفظيع الذى هو قرين لموت الحى.
ينطوى «الفظيع» بوصف المؤلف على جانب معرفى يتصل بخراب الشكل وعدم التعرف بحيث يتساءل من يشاهدون الصور: ما هذا؟ وهناك أيضا جانب سيكولوجى يتصل بما يبثه خراب الشكل من خوف وقشعريرة وفقدان للأمن، وهناك أيضا جانب جمالى يحيل إلى النفور من اضطراب الشكل وخرابه لنصرخ جميعا (هذا بشع جدا).

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved