السوق الموسمية للتعديلات الوزارية!
مدحت نافع
آخر تحديث:
الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:45 م
بتوقيت القاهرة
فى كل عام تقريبًا، وقبل أن يرحل عنا قيظ الصيف، يبدأ موسم آخر أكثر سخونة: موسم الشائعات الوزارية. أسماء تتردد هنا وهناك، ووزراء يُقال إنهم راحلون قبل أن يدرك الناس أنهم تقلّدوا منصبًا! وآخرون يُقال إنهم فى طريقهم إلى مقاعد الحكومة، وأحيانًا تمتد الشائعات إلى الحديث عن تغيير الحكومة بأكملها أو إجراء تعديل واسع فى تشكيلها.
وإذ لا أتعامل مع تلك الشائعات باعتبارها أخبارًا ما لم تصدر من مصادرها الرسمية، فإننى أراها ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق التأمل. فالشائعة لا تنشأ من فراغ، حتى وإن كانت تفاصيلها غير صحيحة. وفى كثير من الأحيان تعكس ما يتمناه الناس أكثر مما تشفّ عمّا سيحدث بالفعل.
ولعل الصيف هو التوقيت المثالى لازدهار هذا النوع من الشائعات. فمن ناحية، يكون الإيقاع السياسى والإعلامى أبطأ نسبيًا، ومن ناحية أخرى تتزايد الضغوط التى يشعر بها المواطن فى حياته اليومية. أسعار الطاقة، خصوصًا الكهرباء والوقود، تنعكس بصورة مباشرة على فاتورة المعيشة فى أشهر ترتفع فيها معدلات الاستهلاك، بينما تصبح تكلفة التنقّل والمصيف والإقامة والطعام والترفيه عبئًا إضافيًا على الأسرة.
بل إن «المصيف» نفسه، الذى كان فى وقت ما جزءًا شبه طبيعى من نمط حياة الطبقة الوسطى، أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة منها رفاهية يصعب تحمّل تكلفتها. الأسرة التى كانت تستطيع أن تخصص جزءًا من دخلها للذهاب إلى الساحل الشمالى أو إلى أحد المصايف أصبحت تواجه حسابات أكثر قسوة: أسعار الإقامة، والنقل، والطعام، والخدمات، وكلها ترتفع فى الوقت الذى تتعرض فيه دخول الأسر لضغوط متزايدة. ومن هنا تتسع الهوّة بين ما يتوقعه المواطن من تحسن فى مستوى معيشته وبين ما يراه فى الواقع، فتزداد قابلية المجتمع لتصديق أن تغيير وزير أو حكومة قد يكون بداية لتغيير أوسع فى السياسات.
عندها تدخل الأمنيات فى صناعة الشائعة. حين تتراكم مشاعر الضيق، يبحث المجتمع عن «بداية جديدة»، ويصبح تغيير الأشخاص رمزًا محتملاً أو ربما مقدمة ضرورية لتغيير الأوضاع فى دولة شديدة المركزية حول الأشخاص لا المؤسسات.
لكن السؤال الأهم فى رأيى ليس: هل ستتغير الحكومة؟ وإنما: ما جدوى التغيير إذا حدث؟
• •
فالتعديل الوزارى ليس هدفًا فى ذاته، بل إن قيمته الحقيقية تُقاس بقدرته على تحسين الأداء، وتصحيح المسار، وإعادة توزيع المسئوليات بما يتناسب مع الأولويات الجديدة للدولة. ولذلك فإن المعيار الأهم فى أى تعديل يجب ألا يكون عدد الوزراء الذين غادروا أو تقلّدوا، وإنما ما الذى سيتغير فى طريقة إدارة الملفات بعد التعديل.
ومن هذه الزاوية، فإننى لم أصل حتى الآن إلى منطق واضح ومقنع للتعديل الوزارى الأخير. فقد كنت أرى، لو كان الهدف هو الاستجابة لمشكلة الأداء الخدمى، أن تكون الأولوية لبعض الوزارات الخدمية التى ظهرت فى أدائها خلال الفترة السابقة أوجه قصور واضحة، لا سيما فى الملفات التى تمس حياة المواطن اليومية بصورة مباشرة. لكن التعديل لم يقتصر على هذا النوع من التغيير، بل شمل وزارات كنت أرى أن استمرارها أو تغييرها يحتاج إلى معيار أكثر وضوحًا. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الوزراء الذين طالهم التغيير كانوا جميعًا ناجحين أو أن من استمروا كانوا الأفضل، وإنما يعنى أن الرأى العام يحتاج إلى فهم المعيار الذى تم على أساسه الاختيار: هل هو تقييم الأداء؟ أم إعادة توزيع الاختصاصات؟ أم تغيير فى الأولويات؟ أم تمهيد لمرحلة اقتصادية جديدة؟
وهنا تحديدًا أعتقد أننا أمام سؤال مختلف اليوم عن السؤال الذى كان مطروحًا عند تشكيل الحكومة الحالية. فمصر تدخل تدريجيًا مرحلة جديدة فى إدارة اقتصادها. برنامج صندوق النقد الدولى ليس وضعًا دائمًا، والمرحلة المقبلة ستحتاج إلى رؤية تتجاوز مجرد الوفاء بالالتزامات المرتبطة بالبرنامج إلى بناء قدرة ذاتية أكبر على النمو وتوليد النقد الأجنبى، وزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمار، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
وهذا يحدث فى عالم تغيرت قواعده بصورة كبيرة. فالحروب التجارية تعيد رسم خريطة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد لم تعد مستقرة كما كانت، وتكلفة التمويل أصبحت عنصرًا ضاغطًا على الاقتصادات المثقلة بالدين، بينما أدت الصراعات والحروب فى المنطقة إلى تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار. وبالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل هذه المتغيرات عن تأثيرها على قناة السويس، وتكلفة الطاقة، وحصيلة النقد الأجنبى، وحركة السياحة والاستثمار، وأعباء الموازنة، وأسعار السلع ومدخلات الإنتاج.
• •
وفى الداخل أيضًا ظهرت متغيرات مؤسسية واقتصادية جديدة. وجهاز مستقبل مصر يمثل نموذجًا واضحًا على ذلك. فمع اتساع أدواره واختصاصاته فى عدد من الملفات الاقتصادية والتنموية، يصبح من الضرورى أن تكون العلاقة بينه وبين الحكومة والوزارات والهيئات المختلفة واضحة ومحددة. لكن جهاز مستقبل مصر ليس هو القضية فى حد ذاته. إنه مجرد مثال على أن خريطة العمل الاقتصادى فى مصر تتغير، وأننا بحاجة إلى وضوح أكبر فى توزيع الأدوار بين مختلف مراكز اتخاذ القرار والتنفيذ.
فإذا تغيرت الظروف المحيطة بالدولة، وتغيرت طبيعة التحديات الاقتصادية، وتغيرت البيئة الإقليمية والدولية، ودخلنا مرحلة جديدة بعد برنامج صندوق النقد، وظهرت مراكز وأدوات جديدة للعمل الاقتصادى، فإن من الطبيعى أن نطرح سؤالًا جادًا حول ما إذا كانت الحكومة الحالية هى الأكثر ملاءمة لإدارة هذه المرحلة.
والحكومة الجديدة، إذا جاء التغيير، ينبغى فى رأيى أن تكون أصغر حجمًا وأكثر تركيزًا. وهذا مطلب أراه منطقيًا فى ظل طبيعة الدولة ومواردها المتاحة. فهذه حكومة تعمل فى ظل ضيق شديد فى الحيز المالى، وضغوط مرتفعة على الموازنة، واحتياجات ضخمة للإنفاق العام، وارتفاع فى تكلفة التمويل. ومن غير المنطقى، فى مثل هذه الظروف، أن تتضخم الهياكل الحكومية بينما تضيق الموارد المتاحة لتمويل وظائفها وأعبائها.
الحكومة الأصغر لا تعنى بالضرورة دولة أضعف، وإنما يمكن أن تعنى دولة أكثر كفاءة فى توزيع مسئولياتها. ويمكن أن تعنى عددًا أقل من الوزارات، ووضوحًا أكبر فى الاختصاصات، ودمجًا لبعض الملفات المتقاربة، وتقليلًا للتداخل بين الجهات، وتركيزًا أكبر على الأولويات التى يحتاجها الاقتصاد والمواطن. نحن لا نحتاج إلى حكومة تقوم بكل شىء، وإنما إلى حكومة تعرف ما الذى يجب أن تقوم به، وما الذى يمكن أن يُترك للقطاع الخاص، وما الذى يمكن أن تقوم به الهيئات والأجهزة المتخصصة، وما الذى ينبغى للدولة أن تراقبه بدلًا من أن تديره بنفسها.
وهذا يتطلب أيضًا حكومة أكثر انسجامًا فى إدارة الملف الاقتصادي. فلا معنى لسياسة نقدية تعمل فى اتجاه وسياسة مالية فى اتجاه مضاد، أو سياسة صناعية لا تتكامل مع سياسة الطاقة والتجارة، أو سياسة استثمارية لا تجد ترجمة واضحة فى إجراءات تخصيص الأراضى والتراخيص والتمويل.
• •
التحدى إذن ليس فى العثور على أسماء جديدة للوزراء، وإنما فى بناء فريق حكومى «مسئول» «مُمكَّن» يستطيع أن يعمل وفق أولويات محددة فى مرحلة شديدة الصعوبة. وقد يكون من المفيد، بدلًا من أن ننتظر كل صيف قائمة جديدة بأسماء الوزراء المحتمل رحيلهم، أن ننتظر شيئًا أكثر أهمية: ما هى الأولويات؟ وما هى أهداف الحكومة؟ وما هو شكلها؟ وكيف ستتعامل مع مرحلة ما بعد صندوق النقد؟ وكيف ستدير العلاقة بين الوزارات والهيئات والأجهزة الاقتصادية الجديدة؟ وكيف ستوفّر مساحة أكبر للقطاع الخاص؟ وكيف ستتعامل مع عالم أصبح أكثر اضطرابًا وأعلى تكلفة؟ والأهم من ذلك: كيف تسيطر على أزمتى تضخم الدين وانفلات الأسعار؟ وعليه، كيف ستحقق رضا المواطن؟
كاتب ومحلل اقتصاد