عودة ملحة إلى رحاب العلم والفضاء
محمد عبدالمنعم الشاذلي
آخر تحديث:
الخميس 17 سبتمبر 2026 - 7:15 م
بتوقيت القاهرة
فى يوم ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ انطلق الصاروخ Space X Falcon من قاعدة Kennedy Space Center فى فلوريدا حاملًا التلسكوب الفضائى Nancy Grace Roman، والصاروخ الحامل للتلسكوب من صناعة شركة سبيس إكس، وهى شركة خاصة يمتلك البليونير إيلون ماسك ٨٠٪ من أسهمها.
أما التلسكوب فهو من صناعة مركز جودارد لطيران الفضاء NASA Goddard Space Flight Center. وقامت بصنع مرآته العاكسة التى يبلغ قطرها 2.4 متر شركة L3 Harris Technologies، ويبلغ طول التلسكوب ١٢،٧ متر، وعرضه ٤،٤ متر، بوزن يصل إلى ثمانية أطنان.
يحمل الصاروخ التلسكوب ليتخذ مداره على مسافة مليون ميل من الأرض، ثابتًا بالنسبة للأرض فى مركز Lagrange 2، وهو مركز من خمسة مراكز تتساوى فيها جاذبية الأرض مع جاذبية القمر بشكل يثبت الأجسام، كما يحمى التلسكوب من تأثيرات الإشعاعات النابعة من الأرض.
أطلق اسم نانسى جريس رومان على التلسكوب تكريمًا للفلكية وعالمة الفضاء التى كان لها دور كبير فى تصميم وبناء تلسكوب Hubble الفضائى، حتى سميت بأم هابل.
يهدف التلسكوب إلى رسم ووضع خارطة للمكونات الكونية، ودراسة المادة المعتمة Dark matter، وإجراء دراسة مساحية surveyance لنظم الكواكب فى الكون، ودراسة تطور نظام الكون.
ورغم أن تكلفة تلسكوب نانسى جريس رومان متواضعة بالنسبة لتكلفة تلسكوب هابل، الذى تكلف ١٦ بليون دولار، فلم تتجاوز تكلفته ٤ بلايين دولار، إلا أن إمكاناته خارقة، فالمساحة التى يعطيها تماثل مائة ضعف المساحة التى يغطيها هابل، كما أن سرعة قدرته على تحليل المعلومات فائقة، فتعطى نتائج فى شهر واحد لما كان يستغرق سنوات فى هابل، ولعل المبهر أيضًا هو زيادة القدرة العلمية والتكنولوجية، فزيادة القدرة لأكثر من مائة ضعف منذ إطلاق التلسكوب هابل فى عام ١٩٩٠ مؤشر على الخطوات الكبيرة التى خطاها العلم والتكنولوجيا خلال هذه الفترة، وأن العلم لا يتوقف، بل يتحرك بخطى حثيثة ووثبات سريعة.
ولعل التطور الذى شهده التلسكوب منذ أن صنع جاليليو جاليلى تلسكوبه الأول سنة ١٦٠٦ ورأى من خلاله أقمار المشترى الأربعة الأولى مؤشرا لذلك، فتطور من تلسكوب العدسات إلى تلسكوب المرآة العاكسة الذى اخترعه إسحاق نيوتن سنة ١٦٦٨.
سرعان ما أدرك الفلكيون أن التلوث الضوئى وتلوث الدخان الناتج عن الثورة الصناعية وعصر البخار يؤثران على قدرة التلسكوبات على الرصد، فعمدوا إلى بنائها فى مناطق نائية بعيدة عن العمران مثل:
التلسكوب الأوروبى الكبير Extremely Large Telescope ELT فى صحراء أتاكاما فى تشيلى، وتلسكوب Mauna Kea الضخم المقام على جزيرة نائية من جزر هاواى، وتلسكوب القطب الجنوبى الذى أقامه صندوق الجنوب الوطنى National South Foundation.
ومع بزوغ عصر الفضاء واختراق الإنسان لأجواء الفضاء بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، خطا العلم خطوة جديدة لتنأى التلسكوبات والمراصد عن مصادر التلوث على الأرض بالارتفاع بها إلى الفضاء، وكان أول تطبيق لذلك هو:
American Orbiting Astronomical Observatory الذى أطلقته الولايات المتحدة يوم ٧ ديسمبر ١٩٦٨، وتبع ذلك انطلاق تلسكوبات فضائية أوروبية وسوفيتية ثم روسية.
وتطورت تكنولوجيا التلسكوبات، فلم تعد تستقبل فقط الصور الضوئية، بل أصبحت أُذن الأرض للسماء عندما صنع المهندس الشاب الهاوى Grote Renee ذو الـ٢٧ عامًا فى ولاية إلينوى الأمريكية أول راديو تلسكوب فى عام ١٩٣٧ للاستماع إلى الموجات الصوتية الصادرة من الفضاء، وسرعان ما أصبحت هذه التلسكوبات من أهم أدوات الفلكيين، كما تطورت التلسكوبات لتكون قادرة على تحليل الطيف الضوئى لمعرفة المواد التى تتكون منها النجوم، وكان التعرف على غاز الهيليوم الذى تنير الشمس من خلال تفاعله فيها، بعد أن اكتشفه الفلكى الفرنسى Pierre Jansen عام ١٨٦٤ عندما أجرى تحليلا ضوئيًا لأشعة الشمس أثناء ظاهرة الكسوف.
كما تطورت التلسكوبات لترصد الإشعاعات الكونية، وأهمها الأشعة السينية X Ray وأشعة جاما، وهو أمر مهم لحماية المركبات الفضائية ورجال الفضاء من أضرارها، وحماية الأرض وطبقة الأوزون التى تحميها، كما اتضح من اكتشاف ثقب الأوزون وعلاجه لحماية الأرض من أخطار الأشعة المدمرة.
لعل إنفاق الولايات المتحدة مبالغ هائلة على التلسكوبات الفضائية، ١٦ بليون دولار على تلسكوب هابل، و١٠ بلايين على تلسكوب جيمس ويب، وأخيرًا ٤ بلايين على تلسكوب نانسى جريس رومان، يؤكد أن هذا الإنفاق ليس ترفًا أو تبذيرًا للمال فى ما لا ينفع، لكنه إدراك أن كوكب الأرض الذى نعيش فيه يبلغ قطره عند خط الاستواء حوالى ١٢٧٠٠ كيلومتر، ويسبح فى فضاء يبلغ اتساعه ١٥ بليون سنة ضوئية ولا زال يتمدد، وعلينا حتى نستفيد مما يمكن أن يقدمه التعرف على أرجائه، وأن نحتاط من أخطاره، وعلينا أيضًا أن ندرك أن هذا الفضاء ملك للبشرية، ومن الخطر أن ندع معرفته والقدرة على التعامل معه فى يد قلة من الدول توجهه لمصلحتها، وقد توجه أخطاره ضد أعدائها، مما يحتم علينا متابعة ما يجرى فى الفضاء لفهمه ودراسته، وبناء كوادر قادرة على التعامل معه، والتعاون مع دول صديقة، خاصة الدول العربية والإفريقية والإسلامية، لنقدر على تحمل النفقات المادية والبشرية لخوض هذا المجال الواسع.