هل كان لمحمود درويش رأى حقيقى ونهائى فى «الأغنية السياسية»؟ (١ من ٣)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 17 سبتمبر 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
قبل شهور، وفى معرض حديثنا فى هذا المكان بالذات حول مشروع مارسيل خليفة لموسقة وتسجيل لحنه الضخم الجديد الذى ينجزه لقصيدة محمود درويش «جدارية»، نشرنا نصا كتبه درويش قبل سنوات عديدة وبعث به إلى الموسيقى والمغنى اللبنانى الكبير، يبدى فيه نوعًا من حب ورضا تجاه ما أنجزه مارسيل من ألحان لعدد من قصائده، ولا سيما منها أشهر تلك الأغانى وأجملها «أحن إلى خبز أمى».
والحال أننا بعد نشرنا الرسالة، اتصل بنا عدد من الأصدقاء يتساءلون عما إذا لم يكن نص محمود فى تلك الرسالة، يتعارض مع ما سبق لنا أن أوردناه قبل سنوات فى نص ذكريات لنا حول محمود خلال إقامته فى بيروت ثم فى باريس، من أنه لم يكن من «المعجبين» بذلك النوع من الغناء، رغم كل شىء؟
والحقيقة أن العودة لقراءة ذلك النص الدرويشى الذى وصلنا أصلًا من طريق مارسيل خليفة نفسه، تطرح السؤال لكنها لا تجيب عليه بشكل قاطع. فهو يتحدث عن «أهمية» هذا الغناء ودوره فى حياته، لكنه فى المقابل لا يشير إلى إعجاب أو عدم إعجاب. ولا يحدد ما إذا كان يرى فى تجربة أصحاب الأغنية السياسية ما يستدعى اجتذاب ذائقة درويش إلى الأغنية السياسية أو ما يشبهها.
ويعيدنا هذا إلى الموضوع نفسه. فإذا كنت فى مقال سابق لى نشرته قبل ذلك بسنوات، قد أشرت إلى أن تفضيلات الشاعر الفلسطينى الكبير تعود إلى أم كلثوم وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وغيرهم من كبار نجوم «العصر الذهبى» للأغنية العربية، ناهيك عن أندلسيات فيروز...
وإنجازات الرحابنة فى مجال تلحين قصائد الفصحى، إذا كنت قد أشرت إلى ذلك، فإننى إنما فعلت انطلاقًا من تجربتى فى معايشتى محمود درويش خلال إقامتيه البيروتية والباريسية طوال ما يزيد عن عشرين سنة.
وكانت هذه المعايشة تشمل فى فرنسا خاصة، جولات مع درويش أسبوعية تقريبًا، فى باريس وضواحيها فى سيارتى وغالبًا برفقة الصحافى الصديق جوزيف سماحة. ولكن قبل ذلك، وفى بيروت، خلال سهرات فى بيتى كان الشاعر السورى ممدوح عدوان يشارك فيها بين الحين والآخر.
ولقد لاحظت منذ ذلك الوقت المبكر كيف أن درويش كان يوافق عدوان على نوع من لامبالاة واضحة تجاه الأغنية السياسية التى كانت فى عزها فى ذلك الحين، وكنت أنا من المتحمسين لها، باستضافتى مارسيل وخالد الهبر وغيرهما من اللبنانيين أشهر أصحاب ذلك اللون الغنائى الذى لن ألبث أن أنزع عنه صفته كغناء سياسى لأصفه بالغناء الحزبى.
والحقيقة أن هذا التوصيف الذى أغاظنى أول الأمر، لينتهى به الأمر إلى إقناعى، لم يكن من عندى بل من عند ممدوح عدوان الذى منذ جلسة مبكرة أعلن انتماءه إلى غناء عبد الحليم حافظ على وجه الخصوص، معلنًا أنه الغناء الثورى الحقيقى والقادر على إحداث تغيير فى الذهنيات، تعجز عنه الأغنيات السياسية مجتمعة من تلك التى تؤكد على المواقف دون أن تحدث أية تغييرات ذهنية لدى جمهور عريض يفترض أصحاب الشأن أنه موجه إليه.
وهو أمر ما لبث أن اكتسب تأييد محمود درويش الذى وافق عدوان على أن ما نسميه غناء سياسيًا إنما هو فى حقيقته نوع من «التبشير بين مؤمنين». وأعطى أمثلة على ذلك تمتد من الشيخ إمام فى مصر لتصل إلى المغنين المتكاثرين فى فلسطين والعراق ولبنان والذين لا يتمكنون من اجتذاب أى جماهير حقيقية خارج أطر المجموعات الشبابية اليسارية، سواء كان ذلك فى لبنان أو تونس أو أى مكان آخر ثبت فيه هذا اللون الغنائى مواقعه.
وهو ما توافقنا بعد نقاشات حينها، على ما ذهب إليه ممدوح عدوان من أن الغناء الذى نسميه سياسيًا إنما هو ذلك التبشير الذى يصر على الإشارة إليه بوصفه تبشيرًا بين مؤمنين.
وإذا كنا سنشرح فى قسم ثان من هذه الثلاثية فحوى ما كان ممدوح عدوان من أوائل الذين «جرّأوا» على التعبير عنه فى ذلك الحين، أواسط سنوات السبعين من القرن الفائت، حين كان ذلك الغناء السياسى/الحزبى فى أوجه مستقطبًا كل القوى التغييرية فى منطقتنا العربية، بل خالقًا حالًا من التنافس بين الشعراء التقدميين واليساريين، ليس فقط لكتابة أشعار تلحن وتغنى من قبل عشرات بل حتى مئات المبدعين التقدميين واليساريين وسط زمن إبداعى كان يعتبر نفسه جديدًا وتجديديًا، ووسط مناخ تشجيعى وتمويلى تساهم فيه، فى لبنان وفلسطين ومناطق مشرقية ومغربية أخرى، أطراف ما كان يسمى بالحركات الوطنية وجبهات الصمود والتصدى وما شاكل ذلك، بل للتوجه بكل نشاطاتهم الشعرية صوب ذلك الإبداع الذى له جمهوره المضمون سلفًا.
وربما فى تكييف رأوه مفيدًا للشعر الصوفى وأى نوع من أنواع الشعر «المشاكس» و«المتمرد»، كى يضحى جزءًا من ذلك التوجه الغنائى الجديد الذى اعتبروه سلاحًا فى معركتهم ضد «السائد».
والحقيقة أن محمود درويش، وعلى خطى ممدوح عدوان، سرعان ما اكتشف خواء تلك «الحرب الغنائية الضروس»، وأعلن ذات سهرة أمامنا أنه بدأ إعادة اكتشاف لذلك الغناء المسمى «بورجوازيًا»، فقال له ممدوح عدوان مبتسمًا: «شرط ألا تقع فى فخ قد يجعل منك كاتب أغانى لأولئك المغنين البورجوازيين لن يقل خطورة عن الفخ الذى وقع فيه صديقنا وأستاذنا نزار قبانى الذى أضحى أشهر كاتب أغانى بورجوازية فى كل العالم العربى وعرضه!».
وهنا حين علق محمود درويش على كلام صديقه ممدوح عدوان متسائلًا عما إذا لن يكون من شأنه هو أن يقع بدوره فى الفخ. قال عدوان ببساطة: «لو سألتنى نجاة أو فايزة أو حتى فريد أن أساهم فى غنائهم «البورجوازى» لن أتردد، بل سأرمى كل أشعارى جانبًا وأكتب لهم أشعارًا خاصة بهم، كما يفعل مرسى جميل عزيز وحسين السيد والأبنودى. ولسوف يشرفنى هذا بالتأكيد…».
ويقودنا هذا إلى التوقف فى القسم التالى من هذا الموضوع عند تفسير ممدوح عدوان لنظريته حول «ثورية الغناء البورجوازى» و«محدودية» الغناء الذى يسميه بكل بساطة تبشيرًا بين مؤمنين.
وذلك، قبل أن نستعيد فى قسم أخير، ما نعرفه من وعن تفضيلات محمود درويش التى تبعده حقًا عن الغناء السياسى حتى وإن كان هذا قد ارتبط به إلى حد لم يكن فى حقيقة أمره راضيًا عنه تمام الرضا.