فهمي حسين.. كاتب القصة الفريد

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: الخميس 17 أكتوبر 2019 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

لا يمكن أن أعتبر حديثى عنه اكتشافا، فسيرته الصحفية والأدبية مذكورة، على الأقل بين أبناء عصره من الصحفيين والنقاد.

أتحدث عن الكاتب فهمى حسين الذى رحل عن عالمنا فى العام 2004، الصحفى المعروف فى «المصرى»، و«روزاليوسف» و«الجمهورية» و«صباح الخير»، رفيق مشوار جيل كتاب القصة القصيرة الواقعية من عبدالرحمن الشرقاوى، ويوسف إدريس، إلى صبرى موسى، وعبدالفتاح رزق.

لكن هذه المعرفة المعلوماتية لا تغنى فعلا عن قراءة مجموعاته القصصية الثلاث الصادرة فى مجلد واحد عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان «أصل السبب.. قصص وحكايات»، والمذيلة بدراسة طويلة عن قصص فهمى حسين للناقد الراحل غالى شكرى.

حتما لن تفارقك الدهشة بعد قراءة المجموعات الثلاث، بسبب براعة هذا القاص الذى خطفته السياسة والصحافة، إنه، بدون مبالغة، من أفضل كتاب القصة الواقعية المصرية فى القرن العشرين، وفى سنوات نضجها فى الخمسينيات والستينيات، بل إنه لا يمكن تجاهل قصصه فى أى دراسة عن صورة القرية أو الفلاح فى الأدب المصرى.

ليست المسألة فى أن الرجل كان أيضا فلاحا يزرع أرضه بنفسه، أو أنه ابن القرية والغيط، فهناك الآلاف الذين يشتركون معه فى ذلك، إنما هى الموهبة العظيمة بالأساس، التى نجحت فى تطويع مادته الريفية، ليصنع منها عالمه الخاص، الحافل بالتفاصيل، والمنحاز لأهل الأرض وملحها، يراهم بعين متعاطفة، ترصد أدق التفاصيل، حتى عيوب الناس ونقاط ضعفهم تظهر واضحة، بشر من لحم ودم، تحبهم لأنهم يعيشون ويضحكون ويتحملون الحياة، رغم قسوة الظروف، هذه ليست حياة بالضبط، ولكنها محاولة لترويض الحياة: الأرض والماشية والطعام والشراب والنقود والنهر والمطر.

جوهر الموهبة هنا فى التقاط اللحظات الإنسانية وسط خليط هائل من حياة القرية الصاخبة، ثم تحويلها إلى سرد سلس فيه مفردات الواقع وحواراته، وكأن فهمى حسين يكتب نقلا عن فلاح يحكى شفويا على المصطبة، ولا يتدخل الكاتب إلا لضبط السرد، أو لتذكيرنا أن بعض عبارات الفلاح فصيحة الأصل، أما حصاد المجموعات الثلاث فهى لوحة هائلة للريف قبل وبعد التغيير، ورغم أن كل حكاية لها بطلها، فإن البطل الحقيقى هو القرية بأكملها؛ بجميع عناصرها من الزرع، والحيوان، إلى الرجال، والنساء، والأطفال.

بعض قصص المجموعات تناطح أفضل كتابات هذا الجيل، وتظل طويلا فى الذاكرة: فى «علاقة بسيطة» مثلا تنشأ علاقة تعاطف بين ساعى بريد يحمله حمار هزيل، وطفل أعور منبوذ يساعده فى توزيع الخطابات، وفى «قصة أم إبراهيم» تقع البائعة الفقيرة فى حيرة بين ترويج بضاعتها للجنود، وبين أن تترك مكانها حتى لا يعاقبوا بسببها، وفى قصة «الجماعة وضعم» تتكاتف القرية بأكملها لكى تذهب فلاحة إلى المستشفى لتضع ابنها، مثلما تتكاتف القرية لإنقاذ جاموسة وقعت فى الساقية فى قصة «الذى مات»، ولعل هذه القصة هى الأصل الذى استلهم منه حسن فؤاد مشهدا مماثلا فى فيلم «الأرض».

فى «الواد سماعين» يبدو الطفل اليتيم حائرا بين عملين، وفى «أصل السبب» يتصالح زوج وزوجته، رغم أن المسكوت عنه أكثر من المعلن، القرية كلها تشهد، والقرية كلها تعرف، والقرية كلها تتظاهر بأنها لا تعرف.

الفلاح فى هذه المجموعات يعيش ويحصل على طعامه من ثقب إبرة، يتحايل حرفيا على المعايش، هذا فلاح باع حماره المحجوز عليه، واستبدله بآخر رخيص (قصة «تم الحمار الذى تحت الحجز»)، وهذا آخر أخذ خشبة الموتى من الجامع لكى يصنع منها طنبورا يروى به أرضه (قصة «وأخيرا الحى الذى هو أبقى»)، وهذا ثالث قام بتلفيق أرض على حافة الترعة لكى يعيش (قصة «حتة أرض»).

الفلاح عند فهمى حسين ساحر حقيقى؛ لأنه ما زال قادرا على الحياة وسط هذا السيرك، على الفلاح أن يذهب بعيدا فى ترحيلة (قصة «حكايات شلبى»)، وأن يتحمل ما أفسده المطر (قصة «شىء يغيظ»)، وأن يواجه رجال الإدارة من الحمقى (قصة «أعصاب محمود أفندى»)، هناك تغيير بالطبع، ولكنه يبدو غير كاف، لقد ضحك الفلاحون أخيرا، ولكنهم لم يضحكوا كثيرا بعد.

هذا قاص كبير بأى معيار أردت، فكيف لم يحتل مكانته المستحقة فى كتب الأدب طوال السنوات الماضية؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved